بقلم / نبيل بطرس

إن بين «الخبرة والاختبار» فرقاً شاسعاً.
فعلى الرغم من أن الكثيرين قد يختلط الأمر عليهم لدرجة أحياناً يصعب عليهم الفصل بينهما.. والحقيقة أن هناك الكثير أيضاً من المصطلحات التي يمكن أن يحدث الخلط في تعريفها.
الموضوع ليس فقط بين الاختلاف أو التوافق في المعني ولكن أيضاً في أهمية أحدهما..
هل مهم الخبرة أم الاختبار؟
هناك مثلٌ دارجٌ يحتكم إليه بسطاء الناس ((اسأل مجرب ولا تسأل طبيب)) .. ولا يعلم أحد بشكل كامل هل هذا المثل صحيح أم لا ..
ولكننا نحن من نعتقد بأننا متعلمون ومثقفون ولدينا من المعرفة والخبرات الكمّ الذي يتيح لنا أن نحكم على مختلف الأمور والمواقف .. ولكن من وجهة نظري الشخصية أنه مَنْ يمتلك المعرفة فإنه ينتفخ ويفتخر بذاته إلى حد يجعله يمشي متباهياً بنفسه وأنه أوتي من العلم كل شيء، فيصير يعلّق وينتقد ويتكلم في بعض الأحيان بأنه مثل أعلى لا بُد وأن يُحتذى به!!.

أما مَنْ يملك الاختبار فتجده إنساناً حقيقياً بمعنى الكلمة وغير زائف.
هو يعلم ألم التجربة .. ألم الفقدان .. ألم الاحتياج ..
بل ويعلم أيضاً لذّة الانتصار والشجاعة .. هو مثابر .. تحمّل الكثير حتى وصل وفي ذلك الوصول هو أيضاً مساعد جيد إذ يشعر باحتياج مَنْ هم مثلوا ومرّوا بنفس المواقف الصعبة.
أولئك تجدهم أول مَنْ يبادرون بتقديم المساعدة سواء بالنصح والإرشاد وأيضاً قد تصل للتدخل في بعض الأحيان ..
كثيراً منّا مَنْ ينسي ما قرأ أو تعلم في أغلب الأحيان وقد لا تسعفه ذاكرته في تذكُّر ما يريد عند الحاجة ولكن مَنْ اختبر تجده دائماً حاضراً .. بتفاعله وبذهنه حتى أنه لا يجد صعوبة في تذكر الموقف كاملاً في حالة حدوث موقف مشابه سواء معه أو مع غيره ..
هو يجعل من نفسه صمام الأمان لكل مَنْ يتخبط .. لكل مَنْ يسلك في مواقف جديدة لم يمر بها من قبل..
عندئذ يقدّم يدَ العون، خاصةً في وقت العوز .. يعلم متى يضرب بيد من حديد. ويعلم أيضاً متي تخور قواه فيفكر في الاستسلام ..
ذلك لأنه اختبر .. ولكن مَنْ درس هو يعدّ نفسه قمة وسط قمم في مثل خبرته.. لا يريد أحد أن ينافسه في معرفته وتجده ضيق الفكر لا يطيق أن يُجادله أحد .. لا يعطي المجال لغيره خاصة في سوق العمل تجده يعمل بمفرده .. وإذا طُلب منه المساعدة فأنه بامتعاض يفعل ذلك ..

لذلك ليس كل ما نعلم به من بسطاء الناس هو خطأ .. إذ أنهم اختبروا ذلك بأنفسهم .. وأجيال تتوارث أجيال .. ولكن هل هذا يعني أن لا نسعى إلى المعرفة ونكتفي فقط بما نتعلمه من أناس سيقودوننا باختباراتهم؟
بالطبع لا، ولكن كل كلامي أن كل مَنْ يتعلم أو يعرف شيء ويتقنه لا يمدح نفسه ولا يتجاهل خبرات من سبقوه .. لأن عامل الاختبار دائماً يصقل خبرتنا ومعرفتنا .. مثل النظريات التي نتعلمها ونختبر صحتها..
العجيب في حياتنا الإنسانية الشخصية أنها تحتاج لكلا العاملين ولكن ينبغي أن يكون بوعي وتريّث وحكمة .. فلا نفعل ذلك ولا نغفل تلك ..