“الصحراء المغربية هي بوابة المغرب نحو إفريقيا، كما هي طنجة بوابته نحو أوروبا، وبالتالي ففتح القنصلية الإماراتية في مدينة العيون له قيمة مضافة على صعيد العلاقات الثنائية والشراكة المتميزة بين البلدين”. بهذه الكلمات لخص وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، في حديث خص به قناة “سكاي نيوز عربية”، عقب حفل افتتاح الإمارات قنصلية عامة لها بمدينة العيون جنوبي المغرب، مثمنا الرصيد التاريخي الكبير للعلاقات بين البلدين. الحدث الذي حضره أيضا السفير الإماراتي لدى الرباط العصري الظاهري، وتم خلاله الاستماع إلى كلمة مسجلة لوزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد، أجمع المشاركون فيه على أنه يشكل دفعة قوية للعلاقات الثنائية بين البلدين. كما أكدوا في نفس الوقت على أن هذه الخطوة تمثل محطة كبرى في سياق المكاسب الدبلوماسية التي ما فتئ المغرب يحصل عليها، وذلك على صعيد ارتفاع عدد الدول التي تفتتح قنصلياتها في مدن الصحراء المغربية، في تأكيد على سيادة المملكة على أقاليمها الجنوبية. والعيون التي تعتبر كبرى حواضر الصحراء المغربية، تجمع بين التراث الثقافي الصحراوي المغربي ومظاهر العمران الحديث، فالمدينة التي حظيت باهتمام تنموي كبير شأنها شأن بقية الأقاليم الجنوبية للمملكة، لا تبعد سوى بضعة كيلومترات عن منطقة “بوكراع” الغنية بالفوسفات، وهي بإطلالتها على موقع مهم قرب السواحل الأطلسية تقع أيضا على منطقة مليئة بالمياه العذبة، فضلا عن كونها تصل شمال المغرب بجنوبه، بحكم قربها من مدينة أغادير، مما يجعل العيون بحسب مراقبين قطبا اقتصاديا إستراتيجيا مهما. الباحث في الشؤون الاستراتيجية عبد الله الرامي، اعتبر في تصريح لموقع “سكاي نيوز عربية” أن “ما يجري يقع ضمن إستراتيجية الانفتاح المغربي على إفريقيا”. وأشار الرامي إلى أن الصحراء المغربية “تشكل محورا حيويا في هذه الإستراتيجية”، في إشارة إلى الربط الذي لطالما قام به الملك محمد السادس في خطبه بين التوجهات المغربية نحو إفريقيا والأهمية الجيواستراتجية للصحراء، ومخطط “النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية” الذي أطلقته البلاد قبل سنوات برعاية ملكية، مستهدفا النهوض بمختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية في هذه الأقاليم. وأضاف الباحث أن “المغرب استطاع تسجيل عدة نقاط دبلوماسية، أهمها جلب العديد من دول إفريقيا وكذا الشرق الأوسط لفتح قنصلياتها بالصحراء”، لافتا الانتباه إلى أن هذه “خطوة نوعية في أفق تحويل المنطقة إلى مكان جذب استثماري وقاعدة متقدمة للولوج إلى إفريقيا”. كما قال المحلل السياسي والإستراتيجي الشرقاوي الروداني، إن “هذا التداخل بين المكاسب الدبلوماسية عبر افتتاح قنصلية الإمارات في العيون وقنصليات أخرى، وبين الأبعاد الإفريقية وآفاق التنمية الاقتصادية وقضايا الاستثمار، يعكس اهتماما بالاقتصاد البحري الذي أصبح من أهم الاقتصاديات التي تتطور على المستوى الدولي”. وأضاف الروداني أن “البرامج الاستراتيجية والقطاعية في المغرب التي تجعل من العيون قطبا اقتصاديا مهما، سيكون لها انعكاسات في خلق حزام إستراتيجي يتحرك في الزمان والمكان نحو دول غرب إفريقيا، وبالتالي نحو دول إفريقيا. وهو ما يجعل الخطوة الإماراتية تعطي أبعادا كبرى لهذا التوجه، لا سيما أن الإمارات تعتبر بحسب مكتب الصرف المغربي البلد العربي الأكثر حضورا فيما يخص الاستثمارات الأجنبية المباشرة في المغرب من شماله إلى أقصى جنوبه، وهي الاستثمارات المرشحة للزيادة المطردة بعد افتتاح قنصلية العيون”. وفي سياق متصل، أكد الباحث والمحلل الاقتصادي حمزة أعناو أن “مدينة العيون المغربية شهدت في الآونة الأخيرة مجموعة من المشاريع التنموية الكبرى التي ستشكل رافعة للمنطقة وستساهم في ضخ أنشطة اقتصادية جديدة بالمنطقة”، في إشارة إلى مشروع تنمية وتأهيل الأقاليم الجنوبية الذي رصد له مليار دولار لـ”تقوية البنى التحتية وإنجاز منطقتي التسريع الصناعي بإقليم العيون، كما سيساهم في إدماج هذه المناطق في سلاسل القيمة اللوجستية للمغرب من خلال الربط بمنصات التصدير في ميناءي طرفاية والداخلة المتوسطي”. وتعرف مدينة العيون تسريعا لوتيرة تأهيل ميناء الصيد، الذي سيساهم في خلق أنشطة صناعية تتجلى في زيادة نشاط وحدات تبريد وتعليب الأسماك، ليكون “الميناء رافدا من أهم الروافد السمكية بالمغرب”، حسبما يضيف أعناو لموقع “سكاي نيوز عربية”، موضحا أن ميناء مدينة الداخلة، جنوب العيون وبالقرب من الحدود المغربية الموريتانية، سيضيف زخما للأهمية الاقتصادية التي يكتسيها موقع مدينة العيون وميناؤها، لكونها بحسب المتحدث ذاته “تعتبر نقطة عبور الصادرات المغربية المتجهة نحو دول غرب إفريقيا، وفي هذا الصدد رصد المغرب ميزانية مهمة لتأهيل وتوسيع الطريق الرابط بين تزنيت والعيون والداخلة”. ويعطي افتتاح القنصلية الإماراتية في العيون دفعة قوية للاقتصاد العربي من هذه البوابة على آفاق إفريقيا الواعدة، ويجعل الجنوب المغربي، بحسب مراقبين، منطقة جذب للطموحات التنموية العربية الإفريقية، مع افتتاح المزيد من القنصليات في المدينة.