يكتشف أصحاب حراك 17 تشرين بحسرة أن أهل السياسة تمكنوا بسهولة من تجاوز الحدث الكبير واستعادوا المبادرة التي لم يفقدوها كثيراً.

تعامل ساسة البلد مع ثورة الناس بصفتها “مناسبة” لتصفية حسابات بعضهم البعض دون أن تكون “الثورة” لب الموضوع. فأن يستقيل سعد الحريري ثم يعود مرشحاً لنفس المنصب بعد فشل تجربتي حسان دياب (في الحكومة) ومصطفى أديب (في التكليف)، فذلك أن الطبقة السياسية هي التي تمسك بمفاتيح الحل والربط، وأن حراك الناس لم يكن إلا جلبة لا تغير من قواعد اللعبة ولا تنال من مواقع اللاعبين.

يكتشف أصحاب هذا الحراك أن في سعيهم المخلص كثير من العفوية والسذاجة. تجنبوا في بداية الحراك أن يتحدثوا في السياسية معتبرين أن مكافحة الفساد ومقاومة الانهيار الاقتصادي والمصرفي والمالي والمعيشي قضية مستقلة، ويجب أن تكون منفصلة، عن مسألة سلاح حزب الله وهيمنته على مفاصل ومداخل الهيكل الحاكم في البلد. تجنبوا ذلك، لكن أصحاب هذا السلاح لم يتجنبوهم، بل أرسلوا أصحاب القمصان السود يمطرون الشارع بقبضاتهم وعصيّهم وحناجرهم التي تصدح “شيعة شيعة شيعة”.

لم يأبه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لحراك الناس المتفجر قبل 10 أشهر من انفجار مرفأ بيروت. ولم تهتم إدارة الرئيس دونالد ترامب لانتفاضة تتحدث عن الخبز والماء والهواء ولا ترى قشة في عين طهران وحزبها في لبنان.

حين هرع الزعيم الفرنسي إلى بيروت غداة التفجير الشهير غرف مما سمعه من تجواله داخل المناطق المنكوبة ليجمع أهل الحكم، فينفض الغبار عنهم ويعيد تأهيلهم والاعتراف بهم بوابة وحيدة لأي حل في البلد. وحين زار مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر لبنان إثر ذلك الانفجار، مارس حرداً ضد الطبقة السياسية، وناكفها بالاكتفاء بلقاء أهل الحراك ونشطائه. وحين فهم الساسة ماذا يريد وأعلنوا التفاوض مع إسرائيل، أعاد شينكر تعويم الساسة طارقا أبوابهم مجدداً.

لا يهتم العالم كثيراً لما يريده اللبنانيون. في لغة صراع الأمم يُستخدم الناس وقودا لأفران تُطبخ داخلها الصفقات. سبق لهذا العالم أن سلّم لبنان لنظام دمشق مانحا وصايته على البلد بركة ورعاية وأحيانا المدح والتبجيل. وحين ينظر العالم إلى لبنان من داخل خرائط الغاز في شرق المتوسط، ومن داخل خرائط منطقة تزلزلها التحولات من دمشق إلى طهران وصولا إلى باكو ويرفان، فإن الحراك الذي يحتفل بسنويته الأولى يصبح ذاكرة لا يبدو أن اللبنانيين أنفسهم يكترثون لسيرتها.

لا شأن لحراك الناس أو حتى رأيهم بأمر رحيل الحكومة السابقة وأمر تشكيل أخرى لاحقة. وحدها حسابات القوى السياسية المتأثرة حكماً بحسابات ما وراء الحدود هي المحدد الحقيقي في انسداد الأمر أو سيولته. وعلى هذا فإن تشكيل حكومة جديدة ليس بالضرورة أمرا عاجلاً بالنسبة للطبقة السياسية داخلياً، وربما ليس كذلك لدى عواصم القرار الكبرى.

من واشنطن أكد مدير عام الأمن العام اللبناني اللواء عباس إبراهيم أن لقاءاته تعلقت بالأمن وأنهم في واشنطن لم يتحدثوا إليه عن حزب الله. ليس على عباس أن يكشف الكثير لكنه لا شك يحمل في جعبته ملفات تهم واشنطن وربما آخرها أن تتشكل أو لا تتشكل حكومة في لبنان. شينكر نفسه، المبتهج بما فرضته يداه على الثنائي الشيعي من إفراج عن ملف ترسيم الحدود اللبنانية الإسرائيلية، أكد تأييد واشنطن لمبادرة ماكرون، وكأنه دعم على شكل رفع العتب في ملف لا يهم إدارة تخوض انتخابات رئاسية كثيرا ما توصف في واشنطن بالمصيرية والتاريخية.

لا تهتم واشنطن بمآلات الفساد في البلد وإن كانت تشترط الإصلاح عنوانا للإفراج عن العون الدولي للبنان. مكافحة الفساد وفق النسخة الأميركية أداة سياسية هدفها تحقيق أغراض سياسية، وحين تتحقق تلك الأغراض فذلك كاف ليقوم شينكر، الذي أطلق بنفسه عقوبات بلاده ضد وزير قريب من نبيه بري وآخر قريب من سليمان فرنجية، بزيارة الزعيمين اللبنانيين مطمئنا بخبث أن معاقبة أذرع الزعيم لا تقصد النيل من رأسه.

وفق بديهيات السياسة يفهم قادة الحراك أن الشارع يغير كثيرا في بلد مثل قرغيزستان مثلا ويدفع رئيسها للاستقالة، لكنه لا يغير شيئا في لبنان. بعضهم يسعى لتوحيد الصفوف وتشكيل الأحزاب استعدادا لخوض غمار انتخابات تشريعية مقبلة يوما ما، على منوال ما تطمح إليه أحزاب مثل “الكتائب” و “القوات”. ووفق بديهيات السياسة، وجب أن يدرك أهل الحراك أن الإفراج عن مفاوضات ترسيم الحدود هو حجر أساس سيحدد مع أحجار أخرى مستقبل البلد ووظيفته، وأن أي تطور سيطرأ داخل ملفات سوريا والعراق وإيران وما سينتجه من موازين قوى بين العواصم الكبرى، سيؤدي آليا إلى تأقلم أهل السياسة، كما تأقلموا مع موازين قوى أخرى سابقا، دون أن يكون للشارع دور أو وظيفة تعدّل من حسابات الكبار.