البحر والسماء والشمس الحارقة، وقارب فيه العشرات .. لا شيء غير ذلك، لا طعام ولا مياه للشرب ولا أحد ليمد يد المساعدة ..

جاء الموت ليحصد في البدء طفلين لم يحتملا حريق الشمس ولا الجوع، فماتا في عرض البحر.

رُبط جثماناهما بالقارب، لعلّ أحدا يعثر على المركب ويخلص الركاب فيُدفنان حسب الأصول. لكنّ النجدة لم تأت، بينما بدأت الرائحة تنبعث من الجثمانين بعد أن انتفخا، واضطر الأهل إلى رميهما في البحر.

“كانت جالسةً في السفينة تنظر إلى المشهد، وهم يرمون الجثة من القارب. كانت تنظر إلى الأمواج وهي تتقاذفها في البحر”. هكذا تحدثت جدة سفيان، البالغ عامين ونصف العام، عن تلك اللحظة الرهيبة، كما وصفتها لها ابنتها عبيدة، والدة سفيان.

لم تتحدث الوالدة الى الإعلام، فهي تلزم غرفتها. وقد أخبرت الجدة أن ابنتها محترقة من الشمس، ووضعها النفسي صعب.

رأت ابنها وهو يموت شيئا فشيئا أمام عينيها. تقول الجدة: “قالت لي إن الدم بدأ ينزل من رقبته ثم من ظهره. لقد فجّرت حرارة الشمس عروقه”.

لم تكفه زجاجة الدواء السائل الذي كان في حقيبة يد أمه، والتي شربها مرة واحدة بسبب الجوع.

“الفقر قتلك”

استقلّت عبيدة، الحامل والبالغة من العمر 19 سنة، مركبا من شاطئ المنية شمالي البلاد.

كانت مع زوجها وابنها وعشرات الأشخاص الآخرين. معظمهم لبنانيون من مدينة طرابلس، التي تعد إحدى أفقر المدن اللبنانية.

ولأن حمولة المركب الصغير كانت كبيرة، اقترح عليهم منظِّم الرحلة أن ينقلوا الأمتعة والحقائب الأخرى في مركب آخر. وأخذ منهم كل الطعام الذي كان معهم وكان يكفي لأكثر من عشرة أيام ويشمل حليب الأطفال ومياه الشرب.

انطلق المركب المكشوف الذي يقوده أحد الأشخاص، الذي كان يريد، شأنه في ذلك شأن باقي الركاب، أن يهاجر بطريقة غير شرعية.

“لكنهم وقعوا في يد عصابة”، بحسب ما يقوله جدّ الطفل سفيان.