بولس الطرسوسي ويعرف عند المسيحيين بأنَّه بولس الرسول أو القديس بولس (أحياناً يُكتب اسمه بالعربية بحرف الصاد بولص)، هو أحد قادة الجيل المسيحي الأول وينظر إليه البعض على أنه ثاني أهم شخصية في تاريخ المسيحية بعد يسوع نفسه. يعرف من قبل المسيحيين برسول الأمم حيث يعتبرونه من أبرز من بشر بهذه الديانة في آسيا الصغرى وأوروبا، وكان له الكثير من المريدين والخصوم على حد سواء. يتوقع أنه لم يتمتع بذات المكانة التي خصها معاصروه من المسيحيين لبطرس أو ليعقوب أخي الرب، ومن خلال الرسائل التي تنسب إليه تتبين ملامح صراع خاضه بولس ليثبت شرعية ومصداقية عمله كرسول للمسيح. ساهم التأثير الذي خلفه بولس في المسيحية بجعله واحداً من أكبر القادة الدينيين في العالم على مر العصور. احتفل العالم المسيحي بين 29 حزيران 2008 و 29 حزيران 2009 باليبوبيل الألفي الثاني على مولده في طرسوس (أسية الصغرى).
يعتبر بولس عموماً واحداً من أهم الشخصيات في العصر الرسولي، وفي منتصف سنة 30 إلى منتصف سنة 50 من الميلاد أسس العديد من الكنائس في آسيا الصغرى وأوروبا. واستفاد من وضعه كيهودي ومواطن روماني ليخدم كل من الجمهور اليهودي والروماني. وفقاً للكتابات في العهد الجديد وقبل تحوله، كرّس بولس حياته إلى اضطهاد تلاميذ يسوع الأوائل في منطقة القدس. في رواية أعمال الرسل (غالباً ما يشار إليها ببساطة باسم سفر أعمال الرسل)، كان بولس يسافر على الطريق من القدس إلى دمشق في مهمة «لاعتقالهم وإعادتهم إلى القدس» عندما ظهر له يسوع المُبعث من قبل ضوء كبير، مما أدى إلى أصابته بالعمى، ولكن بعد ثلاثة أيام، استعاد حنانيا بصره وبدأ بولس يبشر بأن يسوع الناصري هو المسيح اليهودي وابن الله. ما يقرب من نصف سفر أعمال الرسل يتناول حياة بولس وأعماله.
ثلاثة عشر من الكتب السبعة والعشرين الموجودة في العهد الجديد تُنسب تقليديا إلى بولس. سبعة من الرسائل لا جدال فيها من قبل العلماء بأنها أصلية، بينما أربعة من الرسائل تعتبر على نطاق واسع مؤلفات منحولة، في حين أن تأليف الاثنين الأخيرين يخضع للنقاش. لم يتم تأكيد تأليف بولس للرسالة إلى العبرانيين في الرسالة نفسها وكان هناك شك بالفعل في القرن الثاني والثالث. لم يكن هناك جدال تقريباً من القرن الخامس إلى القرن السادس عشر أن بولس هو مؤلفها، ولكن هذه النظرة أصبحت الآن مرفوضة من قبل أغلبية العلماء. يعتقد بعض العلماء أن الستة رسائل المتنازع عليها قد جاءت من أتباع يكتبون باسم بولس، مستخدمين محتويات من رسائل بولس الباقية وغير الباقية. يجادل باحثون آخرون إن فكرة الانتحال للرسائل المتنازع عليها تثير الكثير من المشاكل. وفقا لباحثين آخرين، فقد حدث تزوير لها بعد وفاة بولس في محاولة من الكنيسة لضم أنصار بولس الغنوصيين.

اليوم، لا تزال رسائل بولس تشكل جذور حيوية للاهوت والعبادة والحياة الرعوية في التقاليد الكاثوليكية والبروتستانتية للغرب المسيحي، وكذلك تقاليد الشرق الأرثوذكسية. وقد تم وصف تأثير بولس على الفكر والممارسة المسيحية على أنه «عميق كما هو منتشر»، من بين العديد من الرسل والمبشرين الآخرين المشاركين في انتشار الإيمان المسيحي. طور أوغسطينوس فكرة بولس أن الخلاص مبني على الإيمان وليس على «أعمال الشريعة». تأثر تفسير مارتن لوثر بكتابات بولس حول عقيدة سولا فيدي.

حياته المبكرة
ولد بولس في مدينة طرسوس في كيليكية الواقعة في آسيا الصغرى (تركيا اليوم)، في فترة محتملة غير مؤكدة بين السنة الخامسة والعاشرة للميلاد. كان اسمه عند الولادة شاول وترعرع في كنف أسرة يهودية منتمية لسبط بنيامين بحسب شهادته في رسالته إلى أهل روما ، كما أنه كان أيضاً مواطناً رومانياً . عمل كصانع خيم ، وكان مهتماً بدراسة الشريعة اليهودية حيث انتقل إلى أورشليم ليتتلمذ على يد غامالائيل الفريسي أحد أشهر المعلمين اليهود في ذلك الزمن. ويبدو أنه لم يلتقِ خلال تلك الفترة بيسوع الناصري .

التحول
بعد أن أصبح شاول نفسه فريسياً متحمساً ذا ميول متطرفة عمل على محاربة المسيحية الناشئة على أنها فرقة يهودية ضالة تهدد الديانة اليهودية الرسمية، فنرى أول ظهور له في سفر أعمال الرسل في الإصحاح السابع حيث كان يراقب الشماس استفانوس وهو يرجم حتى الموت بينما كان يحرس هو ثياب الراجمين وهو راضٍ بما يقومون به . عقب إعدام إستفانوس شن اليهود حملة اضطهاد بحق كنيسة أورشليم متسببين في تشتت المسيحيين في كل مكان ، فقام بولس بعد أن نال موافقة الكهنة بتتبع المسيحيين (الذين كانوا يسمون بأناس الطريق) حتى مدينة دمشق ليسوقهم موثقين إلى أورشليم .

على طريق دمشق
في طريقه إلى دمشق وبحسب رواية العهد الجديد حصلت رؤيا لشاول كانت سبباً في تغير حياته، حيث أعلن الله له عن ابنه بحسب ما قاله هو في رسالته إلى الغلاطيين ، وبشكل أكثر تحديداً فقد قال بولس بأنه رأى (الرب يسوع) . وفي سفر أعمال الرسل يتحدث الإصحاح التاسع عن تلك الرؤيا فيصفها على النحو الآتي « وفي ذهابهِ حدث أنهُ اقترب إِلى دمشق فبغتةً أبرق حوله نورٌ من السماء»، بعد ذلك حصل حوار بينه وبين المسيح اقتنع شاول على إثره بأن يسوع الناصري هو المسيح الموعود. يتكرر ذكر هذه الرؤيا في سفر أعمال الرسل مع بعض الاختلافات الطفيفة في (22: 6-11) و(26: 13-18).
بعد تلك الرؤيا اقتيد شاول وهو مصاب بالعمى إلى مدينة دمشق حيث اعتمد على يد حنانيا ورُدَّ إليه بصره بحسب رواية الكتاب المقدس ، وعرف شاول باسم بولس بعد اعتناقه المسيحية. قضى بولس فترة من الزمن في العربية (ربما بادية الشام) ثم عاد إلى دمشق، وهناك تآمر عليه اليهود ليقتلوه وأبلغوا عنه الحاكم فقام رفاقه بتسهيل هروبه من المدينة بأن دلوه في سل من فوق السور (في الموقع الذي يعتقد أنه كنيسة مار بولس في باب كيسان اليوم) .

عمله الرسولي

بعد ثلاث سنين عاد بولس إلى أورشليم (40 م ؟) وهو راغب بلقاء رسل المسيح، فمكث عند بطرس خمسة عشر يوماً قابل خلالها يعقوب البار، عقب ذلك ابتدأ برحلاته التبشيرية الشهيرة في الغرب، ولكنه قام أولاً بالتبشير في سوريا وكيليكية . وفي العشرين سنة اللاحقة قام بولس بتأسيس العديد من الكنائس في آسيا الصغرى وثلاث كنائس على الأقل في أوروبا .

الرحلة التبشيرية الأولى

مكث بولس لفترة من الزمن في مدينته طرسوس ومن ثم انضم إلى برنابا وذهبا معاً إلى أنطاكية حيث وعظا فيها سنة كاملة، ومن هناك انحدروا إلى منطقة اليهودية حاملين معهم مساعدات من كنيسة أنطاكية . وبعد أن أكملا مهمتهما غادرا أورشليم يرافقهما مرقس . من أنطاكية بدأ بولس رحلته التبشيرية الأولى رافقه فيها برنابا وفي قسم منها ابن أخت هذا الأخير مرقس. فعبروا البحر إلى قبرص وبعد ذلك إلى جنوب تركيا (بيرجة، بيسيدية، أيقونية، لسترة، دربة). كان بولس ورفاقه يتبعون أسلوباً معيناً في الدعوة، فقد كانوا يتنقلون من مدينة إلى أخرى ينادون بالخلاص بيسوع المسيح في مجامع اليهود وفي الأسواق والساحات العامة حيث أوجدوا جماعات مسيحية جديدة وأقاموا لها رعاة وقساوسة. انقسم اليهود من سامعيهم بين مؤيد ومعارض، وأما بولس فقد حول وجهه صوب الوثنيين ليتلمذهم هم أيضاً على ما يؤمن به .

مجمع أورشليم

حوالي عام 48 م وقعت أزمة بين مسيحيي أنطاكية حول مسألة الختان عندما وصل إلى المدينة مسيحيون ذو خلفية يهودية يطالبون بضرورة تطبيق شريعة الختان على المسيحيين القادمين من الديانات الوثنية لكي ينالوا الخلاص، أما بولس وبرنابا فقد خالفا ذلك بشكل كبير، ولما لم يتمكنا من حل المسألة أرسلت كنيسة أنطاكية بهما مع أناس آخرون إلى الرسل ومشايخ أورشليم للنظر في الأمر. وتم عقد ما يعتبره مؤرخو الكنيسة أول مجمع كنسي وهو مجمع أورشليم وافقت فيه الكنيسة على مقترحات بولس وبرنابا بأن لا يلزم بالختان الأمميون المؤمنون بالمسيح وإنما يكتفى منعهم عن «نجاسات الأصنام والزنى والمخنوق والدم» بحسب وصف كاتب سفر أعمال الرسل . وتم بعد ذلك المجمع تحديد المهام التبشيرية في الكنيسة، حيث أصبح بطرس – ويعقوب البار ويوحنا بن زبدي – رسولاً للختان (أي اليهود)، وبولس – مع برنابا – رسولاً للأمم (أي غير اليهود) . وبفضل ذلك المجمع أيضاً تحدد وجه المسيحية كديانة مستقلة وليس كفرع من فروع اليهودية .

الرحلة التبشيرية الثانية

في الرحلة الثانية أراد برنابا اصطحاب مرقس معهما ولكن بولس لم يوافق على ذلك فوقع شجار فيما بينهما افترقا على إثره، ومضى بولس في طريقه مع سيلا أحد الوعاظ المسيحيين. كان هدف بولس الرئيسي من تلك الرحلة هو المرور على الجماعات المسيحية التي أقامها في جنوب الأناضول خلال رحلته الأولى لتفقد أحوالها، وفي لسترة التقى بتيموثاوس الذي انضم إليه هو الآخر، ثم تابع طريقه باتجاه الشمال حتى وصل إلى الدردنيل ومن هناك عبر إلى اليونان. وفي تلك البلاد أسس بولس كنائس جديدة في فيلبي وتسالونيكي وبيرية وأثينا وكورنثوس. وخلال إقامته الطويلة نوعاً ما في كورنثوس قام بولس بكتابة رسالتيه الأولى والثانية إلى أهل تسالونيكي (حوالي عام 52 م)، ومن المحتمل أنه كتب في تلك الفترة أيضا رسالته إلى الغلاطيين، مع أن بعض الباحثين يرجحون أن تكون هذه الرسالة – المكتوبة في أنطاكية – هي باكورة أعماله، بينما يذهب آخرون إلى أنها كتبت في فترة لاحقة في مدينة أفسس. أبحر بولس بعد ذلك إلى قيصرية في فلسطين ومنها قام بزيارة لأورشليم ومن ثم عاد إلى أنطاكية.

الرحلة التبشيرية الثالثة

أخذت الرحلة الثالثة بولس إلى غلاطية ثم إلى فريجية ومنها إلى أفسس، وكانت فترة العامين والنصف التي قضاها في أفسس هي أكثر فترات حياته إثماراً، كتب فيها رسالتيه الأولى والثانية إلى أهل كورنثوس (حوالي عام 56 م). بعدها ذهب بنفسه إلى كورنثوس حيث يعتقد أنه كتب فيها رسالته إلى أهل روما، ثم عاد إلى أفسس وبعدها إلى أورشليم حيث اعتقل فيها، وكانت تلك هي زيارته الأخيرة للمدينة المقدسة (بين عامي 57 و59 م) .

اعتقاله وموته

في فترة الخمسينات زار بولس أورشليم مع بعض مسيحيي الأمم الذين آمنوا على يديه، وهناك تم اعتقاله لأنه قام بإدخالهم (وهم يونانيون) إلى حرم الهيكل.

وبعد سلسلة من المحاكمات أُرسل إلى روما ليقضي بها سنتين وعظ خلالها اليهود والأمم وهو في الأسر، هنا تنتهي رواية سفر أعمال الرسل فلا يعرف بالضبط ماذا حصل له بعد ذلك. يؤرخ وصوله إلى قيصرية إلى ما بين عامي 58 و 60 ووصوله إلى روما لربيع عام 61. بحسب التقليد المسيحي فأن بولس أعدم بقطع رأسه بأمر من نيرون على إثر حريق روما العظيم الذي اتهم المسيحيون بإشعاله عام 64 م . يقترح بعض الكتاب نهاية لحياة بولس على الشكل الآتي: فيرون أنه بعد السجن في روما تمت تبرئته وإطلاق سراحه، فذهب بولس لأسبانيا وعاد بعدها إلى الشرق فتوجه إلى أفسس وإلى مقدونيا واليونان حيث كتب خلال هذه الفترة رسالته الأولى إلى تيموثاوس ورسالته إلى تيطس. وبعد اضطهاد نيرون تم توقيفه باعتباره منتمياً إلى الجماعة المسيحية التي كانت تعتبر حينها خارجة عن القانون، وتمت إعادته إلى روما، وخلال هذه الفترة كتب رسالته الثانية إلى تيموثاوس. عانى بولس في الأسر وبعد محاكمة طويلة حكم عليه بالإعدام بقطع رأسه على طريق أوستي حوالي عام 67. هذه الحبكة مرفوضة من قبل الكثير من النقاد، وبشكل عام فقد تم بناؤها اعتماداً على رسائل بولس الثلاث الآنفة الذكر والتي تسمى بالرسائل الرعوية، وعلى تاريخ الكنيسة ليوسابيوس القيصري وعلى رواية القديس جيروم .

فكر بولس اللاهوتي

كتب بولس جزءا كبيرا من عقيدة الفداء. عَلََم بولس أن المسيحيين ينالون الخلاص من الخطيئة من خلال موت يسوع وقيامته. وفاته كانت كفارة واسترضاء، حيث بدم المسيح، فالسلام قد حل بين الله والإنسان.

الآراء حول المثلية الجنسية

معظم التقاليد المسيحية تقول أن بولس بوضوح يصور المثلية الجنسية كخطيئة في اثنين من المواقع المحددة: الرسالة إلى أهل رومية 1:26-27، والرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس 6:9-10. مقطع آخر يتناول الموضوع بشكل غير مباشر هو: 1 تيموثاوس 1:8-11. مع ذلك فمنذ القرن التاسع عشر، معظم الباحثين توصلوا إلى أن الرسالة الأولى إلى تيموثاوس، جنباً إلى جنب مع الرسالة الثانية إلى تيموثاوس وتيطس ليست رسائل أصلية من تأليف بولس، بل مسيحي مجهول يكتب باسم بولس في وقت ما بين أواخر القرن الأول إلى منتصف القرن الثاني.

الكرستولوجيا ما يعنيه بولس بـ «المسيح» و»ابن الله» لا يمكن معرفته على وجه اليقين. يبدو أنه لم يعرّف شخص يسوع ميتافيزيقيًا. في فيليبي 2: 6–11 يشير بولس إلى أن المسيح يسوع كان موجودًا سابقًا وجاء إلى الأرض: «لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ.». يبدو هنا وكأن يسوع كائن سماوي ولكن بدا كإنسان. في رسالة بولس إلى أهل رومية 1: 1–6، كتب بولس أن الله أعلن أن يسوع هو «ابن الله» برفعه من الموت. هنا يبدو كما لو أن يسوع إنسان «تم تبنيه». على الرغم من أن كلا الرأيين – أن يسوع لم يكن إنسانًا حقًا أو أنه لم يكن حقًا إلها – سيبقيان لفترة طويلة في المسيحية، قرّرت الكنيسة بحلول منتصف القرن الخامس أن يسوع كان إلهيًا وإنسانيًا تمامًا في نفس الوقت. ومع ذلك، يبدو أن هذا الحل لم يكن في ذهن بولس، واستغرق الأمر قرونًا من النقاش ليتم تطويره.