لبنان دولة عربية واقعة في الشرق الأوسط في غرب القارة الآسيوية. تحدها سوريا من الشمال والشرق، وفلسطين المحتلة – إسرائيل من الجنوب، وتطل من جهة الغرب على البحر الأبيض المتوسط. هو بلد ديمقراطي جمهوري طوائفي. معظم سكانه من العرب المسلمين والمسيحيين. وبخلاف غالبية الدول العربية هناك وجود فعال للمسيحيين في الحياة العامة والسياسية. هاجر وانتشر أبناؤه حول العالم منذ أيام الفينيقيين، وحالياً فإن عدد اللبنانيين المهاجرين يقدر بضعف عدد اللبنانيين المقيمين.
واجه لبنان منذ القدم تعدد الحضارات التي عبرت فيه أو احتلت أراضيه وذلك لموقعه الوسطي بين الشمال الأوروبي والجنوب العربي والشرق الآسيوي والغرب الأفريقي، ويعد هذا الموقع المتوسط من أبرز الأسباب لتنوع الثقافات في لبنان، وفي الوقت ذاته من الأسباب المؤدية للحروب والنزاعات على مر العصور تجلت بحروب أهلية ونزاع مصيري مع إسرائيل. ويعود أقدم دليل على استيطان الإنسان في لبنان ونشوء حضارة على أرضه إلى أكثر من 7000 سنة.
في القدم، سكن الفينيقيون أرض لبنان الحالية مع جزء من أرض سوريا وفلسطين، وهؤلاء قوم ساميون اتخذوا من الملاحة والتجارة مهنة لهم، وازدهرت حضارتهم طيلة 2500 سنة تقريبًا (من حوالي سنة 3000 حتى سنة 539 ق.م). وقد مرّت على لبنان عدّة حضارات وشعوب استقرت فيه منذ عهد الفينيقين، مثل المصريين القدماء، الآشوريين، الفرس، الإغريق، الرومان، الروم البيزنطيين، العرب، الصليبيين، الأتراك العثمانيين، فالفرنسيين.
وطبيعة أرض لبنان الجبلية المنيعة كمعظم جبال بلاد الشام كانت ملاذًا للمضطهدين في المنطقة منذ القدم، وفي الوقت ذاته صبغت مناخه وجمال طبيعته التي تجذب السياح من البلاد المحيطة به مما أنعش اقتصاده حتى في أحلك الأزمات، فاقتصاده يعتمد على الخدمات السياحية والمصرفية التي تشكّل معاً أكثر من 65% من مجموع الناتج المحلي.
يعتبر لبنان أحد أكثر المراكز المصرفية أهمية في آسيا الغربية، ولمّا بلغ ذروة ازدهاره أصبح يُعرف «بسويسرا الشرق»، لقوة وثبات مركزه المالي آنذاك وتنوعه، كما استقطب أعدادا هائلة من السياح لدرجة أصبحت معها بيروت تعرف بباريس الشرق. بعد نهاية الحرب الأهلية جرت محاولات عديدة ولا تزال لإعادة بناء الاقتصاد الوطني والنهوض به من جديد وتطوير جميع البنى التحتية، وقد نجح البعض منها، فقد تفادت معظم المصارف اللبنانية الوقوع في متاهة الأزمة الاقتصادية العالمية لسنة 2007 التي أثرت في معظم الشركات والمصارف حول العالم، وفي سنة 2009 شهد لبنان نموًا اقتصاديًا بنسبة 9% على الرغم من الركود الاقتصادي العالمي، واستقبل أكبر عدد من السياح العرب والأوروبيين في تاريخه.
ويشتهر لبنان بنظامه التربوي الرائد والعريق في القدم الذي يسمح بإنشاء مؤسسات تعليمية من مختلف الثقافات ويشجع التعليم بلغات مختلفة بالإضافة للعربية. وكان لأبنائه دورٌ كبير في إثراء الثقافات العربية والعالمية في مجالات العلوم والفنون والآداب وكانوا من رواد الصحافة والإعلام في الوطن العربي.
عُرفت سلسلة الجبال الواقعة على الساحل الشرقي للبحر المتوسط باسم «جبال لبنان» منذ زمن سحيق. فقد ذُكرت في آثار إبلا في منتصف الألف الثالث قبل الميلاد، و12 مرة في ملحمة جلجامش، و 64 مرة في العهد القديم. ويرد أصل اسم لبنان إلى ثلاثة احتمالات:
– لبنان مشتق من كلمة «ل ب ن» السامية وهي تعني «أبيض» وذلك بسبب لون الثلوج المكللة لجباله.
– مشتق من كلمة «اللبنى» أي شجرة الطيب، أو اللبان أي البخور، وذلك لطيب رائحة أشجاره وغاباته.
– هو اسم سرياني مؤلف من «لب» و»أنان» وتعني «قلب الله» إذ اشتهرت جبال لبنان كموطن للآلهة عند الأقدمين.
كما ذكر في الكتابات الفرعونية كـ «ر م ن ن». والمعروف أن «ر» الفرعونية ترمز إلى الكنعانيين.عـ.
وفي عام 1920 خلال الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان ضُمَّت المدن الساحلية ومناطق الشمال ووادي البقاع وسفوح سلسلة جبال لبنان الشرقية إلى مناطق متصرفية جبل لبنان وسميت بدولة لبنان الكبير. فأصبحت تسمى هذه المناطق كلها بلبنان. وعندما حصل لبنان على الاستقلال في 22 نوفمبر 1943 اعتمد اسم «الجمهورية اللبنانية».
لبنان بلد متنوع بشعبه، فحوالي 40% من السكان البالغين 22 سنة ينتمون إلى الدين المسيحي، وهو البلد الوحيد في الوطن العربي الذي يتولى رئاسته مسيحيون بحكم عرف دستوري. ويتوزع الشعب اللبناني على 18 طائفة معترف بها. واللبنانيون منتشرون في شتّى أنحاء العالم كمغتربين أوكمهاجرين من أصل لبنانيّ. ويبلغ عدد سكان لبنان بتقدير الأمم المتحدة لعام 2008 نحو 4,099,000 نسمة.
ويُقدر عدد اللبنانيين المغتربين والمنحدرين من أصل لبناني في العالم بحوالي 8,624,000 نسمة، وفقا لإحصاء سنة 2001، ينتمي أكثرهم إلى الدين المسيحي، لأن الهجرة اللبنانية بدأت من متصرفية جبل لبنان ذات الأغلبية المسيحية. أمّا نسبة زيادة السكان فهي 0.85%. ومن المتوقَّع أن ينخفض عدد سكان لبنان عام 2050 إلى 3,001,000. وتبلغ الكثافة السكانية للبنان 344 نسمة / كلم.2 ويعيش ما بين 87% و90% من اللبنانيين في المدن منهم أكثر من 1,100,000 نسمة – أي ما يعادل ربع السكان – في العاصمة بيروت وضواحيها وتبلغ نسبة المتعلمين فيه 87.4%. ويتكلم سكانه اللغة العربية وكثيرون منهم الفرنسية والإنجليزية. زد على ذلك لغات أخرى أقلّ استعمالا كالأرمنية والكردية والسريانية.
قُدّر عدد سكان لبنان في تموز/يوليو من عام 2008 بنحو 3,971,941 نسمة. بينما قدر عدد اللاجئين الأجانب في عام 2007 بما يزيد على 375,000 شخص: منهم 270,800 من فلسطين و 100,000 من العراق، و 4,500 من السودان. وأبعد لبنان أكثر من 300 لاجئ قسرا عام 2007.
ويُعتبر الشعب اللبناني الحالي مزيجاً من الشعوب المختلفة التي أمَّت لبنان واستقرت فيه عبر العصور، فكثير من اللبنانيين ذوو جذور فينيقية ورومانية وتركية وفارسية ولبعضهم جذور أوروبية من عهد الصليبين وفترة الانتداب الفرنسي. ففي تلك الحقبة استقرت في لبنان أقلية لا يستهان بها من الفرنسيين. لكن معظمهم غادر بعد الاستقلال عام 1943 ولم يبقَ منهم إلّا القليل. ولا يزال عدد كبير من السوريين والمصريين في لبنان حيث يعمل معظمهم في قطاع البناء والخدمات.
كانت اللغة الفينيقية أول اللغات التي تكلمها السكان الذين قطنوا المناطق التي تدخل اليوم ضمن نطاق الدولة اللبنانية، وبعد ذلك بفترة انتشرت اللغة الآرامية والسريانية قبل أن تنتشر اللغة الإغريقية خلال العصر الهليني، أي عند غزو الإسكندر الأكبر. استمرت تلك اللغة متداولة لفترة طويلة نسبيّا بين السكان حتى الفتح الإسلامي لبلاد الشام، عندما حلّت اللغة العربية بدلا منها.
ويتكلم اللبنانيون اليوم اللغة العربية المدموغة بلهجتهم الخاصة المستمدة من اختلاط اللغة العربية مع الآرامية والسريانية، وبعض الكلمات التركية والفارسية.
كما أن معظم اللبنانيين يتكلمون أكثر من لغة منها الفرنسية والإنجليزية. كما تستعمل اللغة الأرمنية بكثرة بين اللبنانيين من أصل أرمني. وما زالت اللغة السريانية واللاتينية مستعملة في الطقوس الدينية المسيحية.
كانت اللغة الفرنسية تعتبر لغة رسمية في لبنان خلال فترة الانتداب، حيث كانت تستعمل في المعاملات والإجراءات الرسمية إلى جانب العربية، وبعد إعلان الاستقلال أصبح الدستور ينص على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية الوحيدة في لبنان. ويتكلم العديد من اللبنانيين اليوم أكثر من لغة في الجملة الواحدة في بعض الأحيان بشكل تلقائي، والبعض يفعل ذلك كمحاولة للتعبير عن مكانة اجتماعية معينة وما شابه، وهذا ما دفع بعض اللغويين إلى القول أن اللبنانيين يتكلمون لغة مختلفة عن اللغة العربية هي «اللغة اللبنانية»، إلا أن معظم اللبنانيين يرفضون هذه الفكرة وينظرون إلى اللغة التي يتكلمونها على أنها عربية.
يقع لبنان في غربي قارة آسيا. يحده البحر الأبيض المتوسط من الغرب بشاطئ طوله 225 كم (140 ميل)، وفلسطين المحتلة – إسرائيل من الجنوب وسوريا من الشرق والشمال. وطول حدوده مع سوريا 375 كم (233 ميل)، ومع إسرائيل 79 كم (49 ميل). وهناك خلاف قائم بين لبنان وسوريا بشأن منطقة صغيرة تجاور مرتفعات الجولان المحتلة من قبل إسرائيل وهي مزارع شبعا، حيث أن كلا البلدين يدعي انتماءها لإقليمه.
معظم الأراضي اللبنانية جبلية[46] ماعدا الخط الساحلي وسهل البقاع. وتخترق لبنان من الشمال إلى الجنوب سلسلتي جبال هما سلسلة جبال لبنان الشرقية والتي تشكل حدوده الشرقية مع سوريا وسلسلة جبال لبنان الغربية والتي تطل على البحر الأبيض المتوسط وأهمها جبل المكمل إذ أن قمته القرنة السوداء هي أعلى قمة جبل في غربي آسيا، ويفصل بين سلسلتي الجبال سهل البقاع. وتنتشر في لبنان الأنهار التي تتجمع من ذوبان الثلوج ومن أشهرها نهر الليطاني ونهر العاصي.

مناخ لبنان متوسطي معتدل:
في الساحل: الشتاء بارد وممطر، أما الصيف فحار ورطب.
في الجبال: الشتاء بارد وتصل الحرارة إلى ما دون الصفر مع تساقط الثلوج، أما الصيف فتكون درجات الحرارة فيه معتدلة بدون رطوبة.
معدلات هطول الأمطار مرتفعة بالنسبة للمنطقة المحيطة به إلا في الشمال الشرقي، وذلك بسبب سلسلة الجبال الغربية التي تمنع وصول المطر إلى تلك المنطقة.
ويشتهر لبنان بغابات الأرز رمز البلاد والتي كانت ضخمة في العصور الغابرة إلا أن كمية الأشجار تقلصت بسبب استعمال خشبها على مر العصور وعدم الاهتمام بإعادة زراعتها إضافة إلى إصابتها بالأمراض.
يعود تاريخ لبنان إلى ما قبل بداية الحضارة البشرية، حيث تُظهر بعض الآثار وجود مجمعات بشرية بدائية تعيش على الصيد استوطنت الساحل اللبناني، أُطْلِقَ على الأفراد منها اسم «إنسان أنطلياس».
وفي الفترة التي بدأت فيها المدنية والتاريخ، ازدهرت الحضارة على الساحل الذي يعتبر اليوم ساحل لبنان، فكان هذا الساحل موطن الشعب الفينيقي الذي انتشر حول البحر الأبيض المتوسط وخلال عهد الفينيقيين توالى على حكم لبنان عدد من الإمبراطوريات مثل المصريين، الآشوريين، الكلدانيين. وبعد قرنين من حكم الفرس، احتل الإسكندر الأكبر الساحل الفينيقي ودمر مدينة صور. وتوالى على حكم لبنان العديد من الحضارات المختلفة بعد ذلك وهي: الرومان، البيزنطيون، العرب، الصليبيون والعثمانيون. وتمتعت مناطق جبل لبنان بنوع من الاستقلال الجزئي تحت حكم العثمانيين بفترات الإمارة المعنية في القرن السادس عشر والسابع عشر والإمارة الشهابية في القرن السابع عشر حتى منتصف الثامن عشر وعهد القائممقاميتين (1842 – 1860) والمتصرفية (1860 – 1920).
أثبتت الآثار أن البشر استوطنوا لبنان قبل عام 5000 ق.م. ومدينة جبيل هي أحد المدن المرشحة لتكون «أقدم مدينة مأهولة باستمرار».
وبعض البقايا المتحجرة تشير إلى وجود من سكن سواحل المتوسط منذ عام 7000 ق.م. في العصرين الحجري الحديث والنحاسي. أما أقدم ذكر مدون للبنان فيعود إلى منتصف الألفية الثالثة قبل الميلاد، فقد ذُكر اسم لبنان في آثار إبلا.
وكان سكان هذا الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط من الكنعانيين الساميين من صلب سام بن نوح. دعا الإغريق سكان هذه المناطق «بالفوينيكوس» والتي تعني البنفسجيين وذلك نسبة للون البنفسجي الذي طغى على ألبستهم وللصباغ الأرجواني الذي اشتهروا به. وهكذا عرفوا بالفينيقيين في الآثار القديمة.
كما سمي أهل مناطق البقاع «بالأمورو» نسبة إلى الشعوب الأمورية التي أتت من جزيرة العرب واستوطنت بادية الشام، وخلال هذه الفترة كانت كل مدينة تشكل جمهورية أو مملكة مستقلة.
خلال الفترة الفينيقية، كانت شعوب غربي آسيا مؤلفة من ممالك مستقلة كل في مدينة ساحلية. وكانت تشتهر كل مدينة بحسب صنعة أبنائها. فمدينتي صيدا وصور اشتهرتا بالتجارة البحرية. أما مدينة جبلا التي اشتهرت ببييلوس فتميزت بمراكزها الدينية وتجارتها مع مصر الفرعونية ما بين عاميّ 2686 ق.م و 2181 ق.م بحيث صدّرت خشب شجر الأرز وزيت الزيتون والنبيذ واستوردت الذهب من وادي النيل. واشتهرت مدينة بيريتوس بتجارتها ومراكز العبادة. احتل الفرعون تحتمس الثالث الساحل الشرقي للبحر المتوسط وضم المدن الفينيقية لحكمه، بعد أن طرد الهكسوس من مصر، وبنهاية القرن الرابع عشر قبل الميلاد، ضعفت الدولة الفرعونية مما أعطى لبنان الفرصة ليستقل عنهم في بداية القرن الثاني عشر ق.م. وبقي استقلال الفنيقيين للعقود الثلاث التي تلت، فازدهرت المنطقة وفرضت وجودها التجاري على حوض المتوسط، وبعد ذلك استولى الآشوريون على الساحل الشرقي للمتوسط وقضوا على ازدهار الفنيقيين، ثم تلاهم كل من البابليين والفرس.
وبعد انتصارات الملك الإغريقي الإسكندر المقدوني على الفرس في عام 333 ق.م، رحب الفنيقيون به فاتحا لبلادهم. إلا أن أهل صور رفضوا طلبه لتقديم ذبائح في معبد ملقارت مما دفعه لتدمير القسم البحري من المدينة، الذي كان جزيرة آنذاك، بعد 8 أشهر من الحصار. تأثر الفينقيون كثيرا بالثقافة الإغريقية مما أعطاهم طابعا مختلفا عن بقية شعوب المنطقة. بعد موت الإسكندر تبع الفنيقيون الدولة السلوقية،
وفي القرن الثالث قبل الميلاد، وقعت حادثة سيل العرم وانهيار سد مأرب وضياع مملكة سبأ المعروفة في التاريخ. وبسبب هذه الكارثة، هاجرت قبيلة عاملة بن سبأ بن يشجب بن قحطان من اليمن إلى أطراف الشام فيما عرف بجبل عامل، وهي منطقة الهضاب في جنوب لبنان المشرفة على البحر المتوسط وفلسطين وعُرف سكانها باسم أهل جبل عامل.
وفي سنة 64 ق.م أنهى القائد بومبي حكم السلوقيون وضم المدن الفينيقية لحكم الرومان، ونعمت المدن الفينيقية بالازدهار الاقتصادي والفكري والثقافي آنذاك حيث أنشئت أكبر مدرسة لتدريس الحقوق في الإمبراطورية في بيروت التي عُرفت بأم الشرائع آنذاك.

في سنة 395 م، تبعت منطقة لبنان الإمبراطورية البيزنطية مما تابع ازدهارها لقرن كامل. وفي القرن السادس الميلادي ضرب البلاد سلسلة من الزلازل التي دمرت العديد من معالمها كهيكل بعلبك ومدرسة الحقوق في بيروت وقتلت 30,000 من سكانها، وخلال هذه الفترة هاجر الموارنة المسيحيون إلى لبنان من سوريا. في نفس فترة انتقال الموارنة إلى لبنان، تواجد في لبنان قوم سموا بالمردة، اختلف على نسبهم فهناك من قال إنهم من الجراجمة ومنهم من نسبهم إلى الموارنة الذين نزحوا إلى تلك الجبال، إلا أن ما اتفق عليه أن المردة كانوا مقاتلين شديدي البأس مرهوبي الجانب عاشوا في لبنان وجعلوه حصينا.
قامت الفوضى في منطقة لبنان بسبب الزلازل، الجزية القاسية، والاختلافات الدينية في القرن السادس الميلادي مما أضعف الإمبراطورية البيزنطية وفتح البلاد أمام المسلمين القادمين من شبه الجزيرة العربية. أرسل أبو بكر الصديق قواته لفتح بلاد الشام، وفي سنة 636م دحر القائد الإسلامي خالد بن الوليد القوات البيزنطية في معركة اليرموك وفتح بلاد الشام ومنها لبنان وأدخلها ضمن الدولة الإسلامية.
بعد انتصار المسلمين في معركة اليرموك، عين معاوية بن أبي سفيان الأموي حاكما على بلاد الشام، وطلب من أهل لبنان بناء السفن من أجل مواجهة آلة الحرب البحرية البيزنطية، كما أوقف غزوات المردة الأقوياء في جبال لبنان، والذين ناصروا الروم. وخلال عهد الأمويين نعمت السواحل اللبنانية بفترات من الأمان والازدهار، وقدمت العديد من القبائل العربية التي استوطنت ساحل لبنان للحد من التدخل البيزنطي مثل اللمعيين. تذكر بعض المصادر الشيعية أن التشيع دخل جبل عامل في القرن الرابع الهجري، وذلك في عهد الفاطميين، وبعد تشيع أهل جبل عامل أطلق عليهم اسم «المتاولة».
استولى العباسيون على الحكم من الأمويين سنة 750م وضموا لبنان لحكمهم. في بداية هذا العهد، استوطن الإرسلانيون لبنان عام 756م. فرض العباسيون ضرائب قاسية على لبنان مما دفع اللبنانيين للقيام بالعديد من الانتفاضات. وفي القرن العاشر أعلن الأمير الصوري علاقة استقلاله عن العباسيين إلا أن حكمه انتهى مع استيلاء الفاطميين على الحكم. وبعد أن هزم الصليبيون السلاجقة الأتراك وتقدموا عبر سوريا، قاموا باحتلال مدن ساحل لبنان وسيطروا عليها تدريجياً. خلال هذه الحملات، تجاوب الموارنة مع ثقافة الصليبيين وتحولوا إلى مرجعية البابا في روما. وبما أن الفرنسيين كانو يشكلون عصب الحملات الصليبية بدأت العلاقات المارونية-الفرنسية تتوطد منذ ذلك الحين ولا سيما بعد مجيء ملك فرنسا القديس لويس التاسع إلى الشرق. خلَف الصليبيون العديد من القِلاع في لبنان مثل قلعة طرابلس وقلعة الشقيف. وفي سنة 1175م أسس صلاح الدين الأيوبي الدولة الأيوبية التي وحدت مصر وسوريا والحجاز، فأحاط بالممالك والإمارات الصليبية وهزم الجيش الصليبي في معركة حطين، ثم فتح معظم مدن الساحل اللبناني ولم يصمد في وجهه غير مدينتيّ صور وطرابلس.
وخلال العصر المملوكي، بعد انهزام الصليبيون، انتعشت تجارة مدينة بيروت وأصبحت من أهم موانئ التجارة بين أوروبا والعالم العربي. وفي هذه الفترة، قدم عدد من القبائل العربية واستوطن مناطق وادي التيم وساحل بيروت والشوف، ومن هؤلاء: الشهابيون، التلحوقيون، المعنيون، وآل نكد.