إعداد المايسترو / ميشيل صابر

يميل الإنسان بالفطرة إلى سماع الأصوات الجميلة اين كان المصدر مثلا أصوات الطيور وخرير الماء في الطبيعة والصوت البشري الصادر بنغمات متوافقة مريحة غير نافرة. بينت الدراسات في نشأة الموسيقى إن الإنسان من القدم تعلم وتذوق جماليات الصوت من معطيات الطبيعة وبعض أصوات الحيوانات.وعندما بدأ الإنسان الأول في التمييز بين المسافات الواقعة ما بين الوحدات الصوتية النغمية أصبح مصطلح الموسيقى يحمل مفهوما جماليا.

ومن المهم هنا أن نشير الى الفرق ما بين اللغة كوحدات صوتية (phonemes) لها دلالة كـ (أ – ب) لها دلالة وهي لفظ يعني أب في اللغة. في حين ان الأصوات النغمية (موجات صوتية ترتبط يبعضها بنسب عددية بسيطة ومتلاحقة زمنيا ) ليس لها دلالات لغوية فأصغر وحدة لحنية مثلا مكونة من نغمتين يطلق عليها موتيف (Motif) (دو – رى) او من ثلاث نغمات (صول – لا – سي).

دعونا نرى ما هو تعريف الموسيقى مصطلحا وليس لفظا؟:

يعرف مصطلح الموسيقى بأنه علم وفن.فالعلم الموسيقي مؤسس على العلوم الطبيعية المبنية على المعادلات والقواعد الرياضية وعلم الفيزياء. دراسة الوحدات الصوتية النغمية وموجاتها وذبذباتها وأبعادها وإيجاد العلاقات الرياضية فيما بينها ومعرفة المتوافق وغير المتوافق منها وحسابات إنشاءالسلالم وإنتاج التراكيب النغمية المتنوعة المبنية على الموازين

أما الفن الموسيقي فهو ما يختص بالغناء وطرقه حسب الموازين الموسيقية والزمنية وعمليات الأداء والتصويت وتمارينه وأساليب العزف على الآلات الموسيقية والقوالب الإيقاعية ودراسة الأجناس اللحنية والتدوين الموسيقي. وإذا أمعنا النظر في الموسيقى العربية من الجانب العلمي نجد تطوره بطيء وبشكل ملفت للنظر لفترة الخمسمائة سنة الماضية في حين أن الجانب الفني تقدم وارتقى نسبيا في المائة سنة الماضية. ويبدو لي أن أسباب ذلك يرجع لقلة انضمام أصحاب التخصصات العلمية الطبيعية (الرياضيات – الفيزياء – الهندسة وغيرهم) الى الموسيقى ومن ثم إجراء الأبحاث بغرض القيام بالدراسات وبهدف التطوير العلمي للموسيقى العربية. في حين كثر بروز أصحاب المواهب الصوتية الجميلة على مستوى الوطن العربي فكانت امامهم الموسيقى كيان فني برع الكثير منهم في هذا الإطار بلا شك.

خلال المائتين سنة الماضية أجرى الغرب دراسات علمية جادة وعديدة على مكونات موسيقاهم وسلالمهم وأسسوا كليات علمية وتخصصات وقاموا بتأليف الكتب والمراجع منها علم الموسيقى – رياضيات الموسيقى – صوتيات الموسيقى وغيرها. هذا لا يعني انه لا يوجد في العالم العربي كليات موسيقية لكن العلماء والباحثين والمؤلفات في علم الموسيقى العربية قليل جدا اذا علمنا ان عدد الكليات التي تدرس الموسيقى كجزء من برامجها لا يتعدى العشرين في العالم العربي والذي يسكنه 400 مليون نسمه تقريبا.

عندما يستقى الإنسان الأسس العلمية لأي تخصص ثم يمزج معها موهبته يستطيع بعدها التحليق إلى مناطق التطوير والإتيان بالجديد الملفت تمهيدا إلى طريق الإبداع. لن يتأتى الإبداع المؤصل و المقدر في غياب العلم.

ومحاولة مني في المشاركة ابدأ بتعريف الصوت لأنه المكون الأساسي للموسيقى والتخاطب:

من ابسط تعريفات الصوت انه الاهتزازات التي تنتقل في الهواء وبالإمكان سماعها بالإذن البشرية.وأكثر دقة فالصوت هو اضطراب في الطاقة الميكانيكية (Mechanical Energy) التي تتخلل وسط ما في شكل موجات ذات ضغط تبادلي. طاقة الموجة الصوتية الصادرة من آلة موسيقية او من مطرب او متحدث تنتقل في الهواء المحيط بنا وندركها من خلال آلية السمع وتعامل المخ معها. يستطيع الكائن البشري سماع أصوات في مجال تردد من 20 ذبذبة في الثانية إلى 20 ألف ذبذبة في الثانية (من 20 هرتز إلى 20 كيلو هرتز) مع ملاحظة أن هذا المدى السمعي يتغير مع العمر والأمراض السمعية. وللموجات الصوتية سعات تحدد من خلال الشدة. والأذن البشرية تستطيع سماع أصوات بمدى كبير من السعات واقل صوت تستطيع الأذن سماعه تقدر سعته بـ 20 مايكروباسكال (microPascal) آو عند مستوى ضغط صوت (Sound Pressure Level) يساوي صفر ديسيبل ( Decibel). واذا ما تعرضت الأذن لصوت مستوى ضغطه 85 ديسيبل مثلا من مسافة قريبة ولفترة طويلة قد يلحق ضررا بالغا بالأذن في حين يحس بالالم العاجل عند 130 ديسيبل.

يقع التردد الأساسي (Fundamental Frequency) للصوت الناتج عند اهتزاز الحبال الصوتية للإنسان الذكر ما بين (80 إلى 200 هرتز) وللنساء (150 – 350 هرتز). والأصوات المنغمة المريحة للاذن تقع في مدى (110 الى 3500 هرتز) مع العلم أن المدى الترددي لآلة البيانو القادرة على إنتاج 8 دواوين (8 octaves) مثلا يقع ما بين (16.352 الى 4186 هرتز) (الديوان 8 أنغام متتالية حسب درجات السلم السباعي). وآلة العود ذو الخمسة أوتار المزوجة مع دوزان أغلظ الأوتار بدرجة (مى) لعمل ديوانين و خمسة نغمات من الديوان الثالث إلى درجة الدو يقع التردد ما بين (164.81 إلى 1046.5 هرتز ).

وأقول في الختام أننا امام جسد معرفي “الموسيقى” يرتكز على ساقين “الساق العلمي والساق الفني” ولا يستطيع ان يمشي على ساق واحدة بابداع.