طوني عيسى

للسفير عبدالله بو حبيب قراءته في الحيثيات التي تكمن وراء التسوية السياسية الأخيرة، ففي تقديره أن القوى الخارجية التي لطالما تحدث اللبنانيون عن إمساكها بأمور الحلّ والربط هي التي تعبت وخاطبتهم: روحوا دبّروا حالكم بأنفسكم! ولذلك، يدعو بو حبيب إلى الخروج من عقدة القناصل المتوارثة منذ القرن التاسع عشر، ويراهن على سيادية الرئيس العماد ميشال عون واستقلاليته.
فالرئيس المسيحي القوي، الذي ملأ الكرسي، هو القادر على أداء مهمة حيوية هي تحييد لبنان عن الصراعات العربية والإسلامية.
الدكتور بو حبيب، من موقعه القريب من الرئيس عصام فارس، يقول: الرئيس فارس لا يريد أية وظيفة ولا أي مركز، لكنه لبناني صميم، وإذا وجد أنه يستطيع المساهمة في نهوض لبنان وانطلاقة العهد الجديد فلا أعتقد أنه يتخلى عن هذه الرسالة. ويؤكد أن لقاء التهنئة بين الرئيس فارس والرئيس العماد عون، في اليوم الثاني لانتخابه، لم يتطرق إلى عملية تأليف الحكومة.
الصياد حاورت السفير بو حبيب، وهنا نص الحوار:
وأخيراً، تمت التسوية وجرى انتخاب رئيس للجمهورية بعد شغور قارب العامين ونصف العام. وهناك اختلاف في القراءة بين مَن يعتقد أن التسوية جاءت بصناعة لبنانية ومَن يرى أن القوى الخارجية هي التي أنجزتها. فما هو تقويمكم؟
– الحقيقة هي أن القوى الإقليمية والدولية المعنية بلبنان، اي الولايات المتحدة الأميركية وروسيا والسعودية وإيران وسواها، هي التي قالت للبنانيين: إذهبوا ودبّروا حالكم بأنفسكم. فالجميع أصيب بالتعب من حال عدم الاستقرار. ولذلك، هي أبدت حرصها على إعادة بناء المؤسسات واستمراريتها وتحريك الدورة الديمقراطية.
قوة القناصل!
إذا كان الأمر كذلك، فلماذا إذاً بقي الشغور في موقع الرئاسة مدة طويلة، وبقي الانطباع السائد عندنا أن التسوية في لبنان لن تتحقق إلا بتوافق المحاور الخارجية؟
– في تفكيرنا دائماً انطباع متوارث من القرن التاسع عشر عن قوة القناصل، وأن هؤلاء القناصل في أيديهم الحل والربط عندنا. ولا نستطيع أن ننكر وجود مصالح للقوى الخارجية في بلدنا، لكننا نحن الذين نجلب التدخلات عندما نقحم هذه القوى في شؤوننا. لكن ما حصل اليوم هو أن هذه القوى نفسها باتت تطالبنا بإنهاء أزماتنا. ولذلك، علينا أن نقتنع هذه المرّة بحقيقة أن مصيرنا هو في أيدينا لا في أيدي الآخرين.
ترامب سيدعم استقرار لبنان
بوصفكم سفيراً سابقاً للبنان في الولايات المتحدة، ومعرفتكم الوثيقة بنظرة واشنطن إلى ملفات لبنان والشرق أوسطية، كيف تقوّمون انعكاسات وصول ترامب على لبنان ومسار الأزمات فيه؟
– أعتقد أنه سيتابع سياسة دعم الاستقرار اللبناني، ولا سيما دعم الجيش ليتمكن من صيانة هذا الاستقرار.
بناء على موقف ترامب المتشدد من إيران، هل تعتقد أن الإدارة الأميركية ستمارس مزيداً من الضغوط على حزب الله في لبنان، خصوصاً لجهة تجفيف منابع تمويله؟
– هذا الاتجاه سلكته الإدارة الأميركية قبل مجيء ترامب إلى البيت الأبيض، أي في عهد أوباما.
وهل تتوقع تغييراً في الموقف الأميركي من الصراع في سوريا؟
– يصعب التكهن بما ستكون عليه سياسة الإدارة الأميركية هناك، لأن ترامب لم يكتب يوماً عن موقفه من الملف السوري، لكن قال إنه سيدعم الأسد ضد داعش، التي في اقتناعه تشكل خطراً على الولايات المتحدة وليس الأسد. وعلينا أن ننتظر لنرى أية خيارات ستنتهجها الإدارة الجديدة.
الشراكة الوطنية
رفع الرئيس عون في خطاب القسم شعار تطبيق الطائف كاملاً وفي شكل غير استنسابي. كيف يمكن تحقيق ذلك في رأيك؟
– العنوان الأساسي هو الشراكة الوطنية، أي أن يكون موقع رئيس الجمهورية ممثلاً للمسيحيين، كما هو موقع رئاسة الحكومة يمثل السنّة وموقع رئاسة المجلس النيابي يمثل الشيعة. فإما أن يكون الثلاثة ضمن هذا المعيار وإما أن يكون الثلاثة في مواقع محايدة. هذا ما تقتضيه الشراكة الحقيقية.
وانتخاب الرئيس عون هو أول خطوة في هذه الشراكة، والثانية يجب أن تكون قانون الانتخاب. فبعد الطائف انتقلت السلطة من يد رئيس الجمهورية إلى مجلس النواب الذي هو مصدر السلطة، وعلى أساس التوازنات القائمة فيه يجري تشكيل الحكومة.
ويجدر التنويه في الدرجة الأولى إلى أهمية أن يكون في موقع الرئاسة صاحب شخصية كالرئيس عون. فهو ملأ الكرسي فعلاً. وفي درجة ثانية، هناك أهمية لما سيتمتع به من دعم برلماني. والرئيس القوي يقدم خدمة كبيرة للبنان بتحييده عن صراعات المحاور العربية والإسلامية. والمسيحي القوي هو الأكثر تأهلاً لأداء هذا الدور، وليس السنّي أو الشيعي. ولا خلاف عربياً أو إسلامياً أو دولياً على كون الرئيس في لبنان مسيحياً مارونياً.
ومع تحقيق هذا الهدف، أي وصول رئيس مسيحي قوي، يتبدّل الجمهور المسيحي الذي كان ينحو إلى السلبيات فيتحوّل إيجاباً، ما يؤدي إلى استثمار الطاقة الكامنة فيه لمصلحة الوطن كله، بدلاً من إهدارها، كما كان يجري حتى الأمس.
لا للبكاء على الأطلال
في هذه الحال، هل يقتضي الكلام على تفاهمات مسيحية تؤمّن التغطية للعهد؟
– لذلك، إن الاتفاق مع القوات اللبنانية أساسي ومُهِمّ، ما دامت هناك أحادية سنّية وشيعية ودرزية. فإما تعددية للجميع وإما أن نبقي على الثنائية المسيحية التي أتمنى أن تصبح ثلاثية بانضمام الكتائب إليها.
لقد أضعف الطائف صلاحيات رئيس الجمهورية، ألا تعتقد أن ذلك قد يجعل مهمة الرئيس عون أكثر صعوبة؟
– اعتقد أن من غير المفيد البكاء على الأطلال. فهناك دستور اسمه الطائف ويجب أن ننطلق منه لمصلحة كل اللبنانيين. وهذا الطائف جرى تطبيقه بإعوجاج. ولذلك، نحن لم نتمتع منذ العام 1990 وحتى اليوم بأي استقرار. ويجب تطبيق هذا الاتفاق لإحلال الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي، علماً أن الجزء الوحيد الذي جرى تطبيقه جيداً هو انتقال السلطة إلى مجلس الوزراء مجتمعاً.
آلية حاسمة لانتخاب الرئيس
لكن هناك خللاً في تفسير الدستور وقع خلال السنتين ونصف السنة من الشغور الرئاسي، عندما تمّ نقل صلاحيات الرئاسة بالوكالة إلى مجلس الوزراء. فروحية النص تفترض انتقال الصلاحيات لفترة قصيرة جداً، إذا وقع حادث طارئ، مثلاً، وأدى إلى شغور الموقع الرئاسي، وليس إذا تعطُّل انتخاب الرئيس إلى أجل غير مسمّى؟
– هنا تبرز الحاجة إلى آلية حاسمة لانتخاب رئيس الجمهورية في الوقت المناسب. وقد تتكرر الأزمة في الاستحقاقات الرئاسية المقبلة ما لم يجرِ إقرار الآلية الحاسمة.
انتخابات في موعدها
هل ترى اتجاهاً جدياً إلى إنجاز الانتخابات النيابية في موعدها، أي قبل انتهاء ولاية المجلس الحالي في 20 حزيران/يونيو 2017؟
– في تقديري أن الانتخابات ستجري في موعدها، ولا نلمس نية لدى أحد في التمديد. ولكن، إذا كانت الانتخابات ستتم وفق قانون جديد، فربما يتم التمديد تقنياً لبعض الوقت. وقد وعد الرئيس سعد الحريري عند تكليفه بإنجاز قانون جديد.
ما هو القانون الأفضل لتمثيل الجميع في رأيك؟
– الأفضل هو القانون الذي يتبنى النظام النسبي، وإلا فالقانون الذي يتيح الاقتراع لكل نائب بصوت واحد.
الرهان اليوم هو على الحكومة التي يعمل الرئيس سعد الحريري لتشكيلها، والتي سيكون هدفها الأساسي إقرار قانون الانتخاب وانتخاب مجلس نيابي جديد بعد أشهر. هل ترى أن القوى السياسية ستتشدد في تركيبة الحكومة لأنها تريد أن يكون لها كلمة في قانون الانتخاب؟
– القوى التي تتألف منها الحكومة يجب أن تعكس القوى التي يضمها المجلس النيابي. وكثيرون يعتبرون أن المجلس النيابي الحالي المنتخب في العام 2009 لم يعد يعكس آراء اللبنانيين في 2016. ولذلك، نحن في حاجة إلى إجراء الانتخابات النيابية في موعدها. ولكن، حتى ذلك الوقت، لا بدّ من القبول بهذا المجلس.
الرئيس فارس وانطلاقة العهد
في عملية تشكيل الحكومة، هناك حاجة إلى إشراك فاعليات تشكّل صدمة إيجابية كبيرة على المستوى الوطني، ومنها دولة الرئيس عصام فارس. فهل هو في وارد الدخول إلى الحكومة العتيدة؟
– الرئيس فارس لا يريد أية وظيفة ولا أي مركز. لكنه لبناني صميم، وإذا وجد أنه يستطيع المساهمة في نهوض لبنان وانطلاقة العهد الجديد فلا أعتقد أنه يتخلى عن هذه الرسالة.
ألم يتطرق لقاء التهنئة بينه وبين الرئيس العماد عون، في اليوم الثاني لانتخابه، إلى عملية تأليف الحكومة؟
– لا، لم تُبحث مسألة تأليف الحكومة خلال زيارة التهنئة.
المواجهة مع الفساد
يبقى سؤال عن علّة العلل في لبنان، أي الفساد. هل تعتقد أن العهد سيتمكن من الوفاء بوعوده في مواجهة منظومة الفساد؟
– هناك ورشة كبرى لمواجهة الفساد. مثلاً، الرئيس عون مستاء من كون التيار الكهربائي، بعد 26 عاماً من انتهاء الحرب، دون المستوى الذي كان عليه خلال الحرب. فهل هذا معقول ومقبول؟
ألم يشبع بعد أصحاب المولدات؟ لقد آن الأوان لتقوم الدولة بكامل واجباتها. فلتفعل ذلك، وإلا فليكن الأمر في يد القطاع الخاص، كما في تجربة زحلة.