اميل خوري

هل يتعلّم «حزب الله» من تجارب غيره كي لا يقع في الأخطاء ذاتها؟ فالمارونية السياسية، كما سمّاها البعض، تعلّمت بعد أخطاء ارتكبتها أن لبنان لا يحكمه حزب واحد ولا طائفة واحدة عندما أساء بعض رؤساء الجمهورية ممارسة الصلاحيات الواسعة التي أمّنها لهم الدستور، إذ كانوا يعيّنون رؤساء حكومة ووزراء خلافاً لرأي بيئتهم فتقع الأزمات التي كانت تأخذ الطابع المذهبي والسياسي معاً، فدفعت هذه السياسة الثمن في الطائف وذلك عند وضع دستور جديد قلّص صلاحيات رئيس الجمهورية ونقل معظمها الى مجلس الوزراء مجتمعاً وأخضع تسمية رئيس الحكومة لاستشارات ملزمة يجريها رئيس الجمهورية، وصار الرئيس المكلف تشكيل الحكومة نتيجة هذه الاستشارات هو الذي يختار الوزراء بعد التشاور مع الأحزاب والكتل وبعد الاتفاق مع رئيس الجمهورية. وعند ممارسة الصلاحيات الجديدة التي نص عليها دستور الطائف اعتبر البعض أن الصلاحيات باتت لرئيس الحكومة، وذهب البعض الى حد القول بـ»السنّية السياسية» وإبراز غبن طائفة أخرى وتحديداً الشيعة، ما طرح مجدداً طلب إعادة النظر في دستور الطائف ليصبح أكثر عدالة وانصافاً في توزيع الصلاحيات على السلطات الثلاث. فكما أن السلاح الفلسطيني في لبنان ساعد بعد حرب داخلية، كما ظن البعض، على تعديل الدستور لمصلحة السنّة، فإن عسكرة الطائفة الشيعية بدعم إيران صوَّر لـ»حزب الله» أن في استطاعته تعديل الدستور أيضاً للحصول على مزيد من الصلاحيات للطائفة. لكن الطائفة السنّية تعلّمت بعد فرض وصاية سورية على لبنان لتنفيذ اتفاق الطائف وإنهاء الحرب في لبنان أن حكم الشريك المسيحي أرحم بكثير من حكم الوصاية السورية، ما جعله ينضم الى هذا الشريك للمطالبة بانسحاب القوات السورية من كل لبنان لكي يحكم اللبنانيون أنفسهم بأنفسهم، ورفع «تيار المستقبل» شعار «لبنان أولاً». فهل يتعلم «حزب الله» الممثل الأبرز للطائفة الشيعية من أخطاء الموارنة وبعدهم من أخطاء السنّة، فيعود إلى لبنانيته ويرفع شعار «لبنان أولاً» لأن أي وصاية خارجية على لبنان قد لا تكون أرحم من الوصاية السورية إذا ظن البعض انها إذا كانت إيرانية فسوف تشعر الطائفة الشيعية بالغلبة على شريكها الآخر في الوطن، علماً أن لا استقرار في وطن إذا شعرت فئة فيه بالخوف أو الغبن.

لذلك مطلوب من «حزب الله» انقاذاً لنفسه وللبنان أن يخرج من لعبة الصراعات السياسية والمذهبية في المنطقة لأنها لعبة خطرة، خصوصاً عندما يدخل فيها الكبار ويصبح الصغار ضحيتها. فمنظمة التحرير الفلسطينية التي كانت تعتمد على دعم الدول العربية حاولت أن تحكم لبنان، وقد اعترف رئيسها ياسر عرفات بأنه حكم بيروت وحاول أن يجعل الطريق الى فلسطيني تمر في جونية، فلا مرَّ فيها ولا وصل الى فلسطين…

وعندما حاول الرئيس سليمان فرنجية حسم الحرب الفلسطينية – اللبنانية مستخدماً الطيران الحربي لضرب المخيمات، بعدما تحولت ثكناً ومعسكرات ومخازن أسلحة، وقفت دول عربية، ولا سيما سوريا، مع الفلسطينيين وهدّدت باقفال حدودها مع لبنان إذا لم يتوقف القصف. وعندما حان أوان عقد الصفقات دفعت الفصائل الفلسطينية المسلحة الثمن وتولّى الجيش السوري الذي دخل لبنان اخراج المسلحين الفلسطينيين منه، وعلى رأسهم ياسر عرفات، الى تونس. ودفع لبنان الدولة السيدة ثمن عقد صفقة أميركية – سورية وعدم ممانعة اسرائيلية عندما رفض العماد ميشال عون، وكان رئيساً للحكومة، مغادرة قصر بعبدا وتسليمه الى الرئيس الياس الهراوي ظناً منه ان اسرائيل لن تسمح لطائرات حربية سورية بقصف القصر لاخراجه منه بالقوة، ولم يدرك أن هذا لم يكن مسموحاً به في الحرب الداخلية في لبنان، وان حسمها لم يكن مسموحاً به أيضاً خدمة للصفقة التي كان يتم إعدادها.

هل يستعيد «حزب الله» كل هذه المشاهد والتحوّلات في مواقف الدول التي تقدم مصالحها على أي مصلحة أخرى، فيعمل على انقاذ نفسه وانقاذ لبنان بالخروج من لعبة صراعات المحاور في المنطقة التي تديرها دول كبرى لها مطامعها ومخطّطاتها ولا مكان للصغار فيها سوى انهم يذهبون «فرق عملة»؟ فكما عملت سوريا الرئيس حافظ الأسد مصلحتها بعقد صفقة مع أميركا ومن دون ممانعة اسرائيل وأخضعت لبنان لوصايتها وأخرجت الفلسطينيين المسلحين منه الى تونس، فلا شيء يمنع ايران وغير ايران من أن تفعل الشيء نفسه خدمة لمصالحها.