بين ١٩٧٨ و٢٠١٦، مسيرة طويلة من التعب والابحاث العلمية الرائدة، انتجت ابتكارات واختراعات، واحدثت نقلة نوعية في طب وزراعة الاسنان، استحق عنها الكثير من شهادات التقدير، ودروع التكريم، آخرها في بلده لبنان. البروفسور فؤاد خوري، الاختصاصي في طب وزراعة الاسنان، كتب نجاحاته في مجال اختصاصه من المانيا، البلد الذي وصله بشهادته الجامعية، وفتح له آفاق تفجير ما لديه من نبوغ في مجال اختصاصه، حتى بات اليوم مرجعاً عالمياً في زراعة وطب الاسنان، وما قدمه له من آلات ابتكرها، وابحاث نشرها بالمئات، عدا عن الكتب المتخصصة، آخرها كتاب بعنوان “Greffe Osseuse en Implantologie”، والذي تُرجم حتى اليوم الى ١٢ لغة، بعدما صُنف من بين كتب ال “Sellers”.
وصار البروفسور خوري مرجعاً يعتمد في الجامعات الاوروبية والاميركية. وبعدما كرّم في بلدان وجامعات عديدة، كرّم يوم السبت الماضي ٢٨ ايار/مايو الفائت في وطنه، لبنان وفي الجامعة التي تخرج فيها، القديس يوسف، وبمبادرة من الجامعة الاميركية، فمنحته جائزة الرائد في طب الاسنان.
الصياد التقت البروفسور خوري وكان هذا الحوار معه:

ماذا عن تكريمك من قبل الجامعة الاميركية؟

– اطلقت الجامعة الاميركية في بيروت العام الفائت برنامجاً بعنوان الرائد في طب الاسنان، حيث يجمعون، عبر مؤتمر سنوي ينظمونه، اطباء اسنان لبنانيين منتشرين في دنيا الاغتراب، وفي مقدمهم من حقق نجاحات واختراعات، وتبوأ مراكز متقدمة. يجمعونهم في مؤتمر، لتقديم قراءة عن مسيرتهم العملية، وما انجزوا من ابحاث وقدموا من ابتكارات في مجال اختصاصهم ويختارون طبيباً لتكريمه. وبذلك اختاروني هذا العام لتكريمي على مسيرتي، لأكون الثاني الذي يحظى بهذا التكريم.
لماذا جرى التكريم في الجامعة اليسوعية؟  – عمليا، انا خريج الجامعة اليسوعية وصادف ان جامعة القديس يوسف تنظم مؤتمرا عن الفرنكوفونية، فقرر المسؤولون عن البرنامج تكريمي في الجامعة التي خرجت منها الى العالم، وفي سابقة هي الاولى من نوعها في تاريخ الجامعة الاميركية، التي تخرج من حرمها الى حرم جامعة اخرى لتكريم شخصية.
طلبت فرصة

هل يعني ذلك ان هذا التكريم هو تتويج لجهود وتعب؟
– نعم. انه تكريم لمسيرتي في مجال طب زراعة الاسنان على مدى ٣٨ عاما، بدأت حين تخرجت عام ١٩٧٨، وتوجهت فورا الى المانيا، واذكر انني حين اردت التوجه الى المطار، كانت المعارك على اشدها. سلكت طريق دار الصياد – غاليري سمعان – الشويفات وصولا الى مطار بيروت الدولي.
لما اخترت المانيا؟

– اردت من ذلك خوض مغامرة مغايرة عن الآخرين، ممن يختارون بلداً يعرفون لغته. اخترت المانيا للقيام بشيء مميز. كنت يومها صغيراً، ولا أجيد اللغة الالمانية، وليس لدي احد هناك، كل ما كنت املكه حين وصلتها حقيبة السفر وشهادتي الجامعية، وايماني بالله.
وما الذي قدمته لك الشهادة في حينه؟
– فيما كانت شهادتي يومها اكاديمية، كنت اتطلع لفرصة ودافع. لعب الحظ دورا كبيرا في حياتي، اذ التقيت بأشخاص، واساتذة جامعيين ابدوا استعدادهم لدعمي، بعدما وجدوا اني اريد القيام بأبحاث، وتحقيق التقدم باختصاصي، انطلاقاً مما لدي من افكار. قدموا لي الدعم فحققت الكثير من الابحاث، والاكتشافات الطبية. وما انا عليه اليوم يظهر ويبرز قيمة المانيا كبلد.
سبعة اختراعات

في سجلك الطبي الكثير من الابحاث والتقنيات الطبية التي طورتها. فماذا عنها؟

– اني من اوائل الاطباء الذين بادروا الى استبدال العظام المأخوذة من الورك، بعظام الفم. فقبلا، كان يستسهل الاطباء استئصال عظام من الورك لزرعها بالفم لان الفم صغير، ولم تكن هناك آلة تستطيع القيام بهذا النوع من الاستئصال. فطوّرت مع احدى الشركات آلة تسهّل على الاختصاصي في زراعة الاسنان استخراج العظم من الفم.
كم اختراع قدمت لتسهيل زراعة الاسنان؟
– سجلت لليوم ٧ اختراعات، من بينها تطوير آلة استئصال العظم من الفم لاعادة زرعه في اللثة. وهذا الاختراع هو الاول في مسيرتي، تحقق عام ١٩٨٥، اي بعد ٦ سنوات من وصولي الى المانيا. وتُعتمد كل اختراعاتي، المتعلقة بتطوير المعدات المستعملة في زراعة الاسنان في جميع عيادات الاطباء. ويمكنني القول انني توصلت الى ابتكار طريقة آمنة في اعادة تجديد العظام في الفم بطريقة وبنتائج جيدة.
وماذا عن ابحاثك؟

– في رصيدي لليوم ١٢٠ منشوراً دراسياً وثلاثة كتب علمية، تعتبر مراجع في جامعات وكليات طب الاسنان بما فيها جامعة ماتستر الالمانية التي ادرّس فيها.
صدر لك مؤخرا كتاب ترجم الى ١٢ لغة. فما اهميته العلمية؟
– فيما يترجم كتابي الثالث “Greffe Osseuse en Impantologie” الى اللغتين الصينية واليابانية، فان صفحاته تحمل حلولا علمية لكثير من المشاكل بالاسنان، وتلك التي يواجهها الاطباء خلال جلسات المعالجة، ويقدم الكتاب لهم حلولا وطرقا علمية وطبية لمعالجة كل حالة بطريقة معينة وآمنة.
الى كل ما تقوم به من ابحاث وابتكار وتأليف، معروف عنك محاضراتك واجراء عمليات يتابعها اطباء وطلاب عبر نقلها بالاقمار الصناعية. فماذا عنها؟

– أجري الكثير من هذا النوع من العمليات التي تنقل عبر الاقمار الصناعية، ويتابعني عبرها الاف من الاطباء والطلاب في نيويورك وفرنسا، والبرازيل، وصوفيا ودبي، وذلك خلال مؤتمرات عالمية لطب زراعة الاسنان. وحين اقوم بذلك، ويتابعني ٢٠ الف شخص في مؤتمر واحد، اشعر اني افعل ذلك باسم لبنان.
زراعة الخلايا  افتتحت ايضا مستشفى متخصصا للاسنان، فما الجديد الذي تقدمه فيه؟
– يُعنى المستشفى بحالات محددة وصعبة. فالمستشفى متخصص بترميم واعادة بناء اللثة وزرع الاسنان، بعد تعرّض المصاب لحادث كبير نتج عنه كسر في اللثة. وتستغرق بعض العمليات ١٤ ساعة، ويأتي المرضى من جميع انحاء العالم لترميم التشوهات التي اصيبوا بها، بعدما بات ترميم اللثة كما العظام والاسنان سهلا ضمن مجال اختصاصنا.
هل من الممكن ان نصل الى وقت يستغني فيه الطب عن زرع العظام في اللثة، بعد التوصل الى ابتكار يساهم في بروز العظام من تلقائها كما الاسنان؟
– لا اخفي اننا نجري الكثير من الابحاث في هذا المجال، اذ نجري تجارب على الخلايا الجذعية، لمعرفة ما اذا كانت ستؤدي الى النتيجة المطلوبة.
ما هو تقييمك لمستوى اطباء زرع الاسنان في لبنان؟
– مما لا شك فيه ان لبنان متقدم جدا في كل شيء، خصوصا وان ابناءه انتشروا في العالم، وبرغم ذلك لا ينسون وطنهم. فيزورونه، ويشاركون في المؤتمرات العلمية المتخصصة، ويقدمون خلاصات تجاربهم ونجاحاتهم ويضعونها في تصرف وطنهم.
لو لم تسافر الى المانيا، هل كنت حققت كل هذا النجاح؟

– من المؤكد اني لو بقيت هنا، واكتفيت في العمل بشهادتي، لما وصلت الى ما انا عليه اليوم. والسبب في ذلك انه ليس لدينا امكانيات لاجراء الابحاث، فيما جامعات اوروبا وغيرها من الدول المتقدمة، تتوافر فيها كل وسائل البحث، وتقدم للطالب الفرص والامكانات، وخصوصا في المانيا التي تعتبر اغنى بلد اوروبي. فالجامعات الاوروبية، ولا سيما الالمانية مدعومة من الدولة، وتشدد على الابحاث، وتحقيق التفوق. يدعمون المبتدئين، وكلي أمل ان يتحقق ذلك يوما في لبنان، لجهة دعم الطلاب المميزين والطموحين.
هل لديك طلاب لبنانيين في المانيا؟
– عددهم ضئيل جدا، ويعود ذلك الى عامل اللغة التي تشكل عائقا لهم للالتحاق بجامعات المانيا.
أتفكر بالعودة النهائية يوما ما الى لبنان؟
– عمليا، ما ان اغادر لبنان حتى اعود اليه. اني موجود فيه من خلال شقيقي الذي يعمل في اختصاص قريب من اختصاصي، وافتتحنا مركزا متخصصا في منطقة فرن الشباك، وننسق سويا.

ماذا يعني لك التكريم؟

– انه يعني الكثير، فقد سررت به، خصوصا واننا اعتدنا في منطقتنا على المثل الذي يقول ما من نبي كرِّم من أمته. حينما كنت اكرم في فرنسا، والمانيا واميركا، وغيرها الكثير من البلدان، كنت أسأل عما اذا كنت كرمت في لبنان، وكنت اصمت. اليوم، كرمت، واظهر لبنان عدم صحة المثل.