فؤاد دعبول

انفرجت اسارير الرئيس سعد الحريري، عندما لاحظ ان معظم القيادات اللبنانية ترحب باجراء الانتخابات البلدية في شهر ايار/مايو المقبل، لانه يؤمن بان البلديات هي حكومات المدن المصغَّرة، في وطن يحتاج فيه كل حي، الى مجلس بلدي، لتقرير نوعية السلطة، في بلد يشكو من تعثر السلطات.
عندما عاد الرئيس سعد الحريري الى بيروت قادما من رحلة تاريخية الى موسكو، ادرك ان الشعب اللبناني، مفطور على حب الانتخابات، وانه مؤمن كذلك، بان مفتاح المستقبل لكل وطن، هو الانتخابات، سواء أكانت انتخابات نيابية او بلدية، وان السلطة المحلية، هي رديف للسلطة الحكومية، وهذا ما كان يسمعه من والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
كان امام الرئيس الشهيد سنوات طوال تفصله عن القرن الواحد والعشرين، لكنه، كان يقول للوزير مروان حماده ان السلطة في اي بلد، تبدأ بالانتخابات البلدية.
الا ان الوزير السابق مروان حماده، كان يقول للرئيس الشهيد رفيق الحريري، انه المؤهل اكثر من سواه، لصناعة وطن جديد، بلد يحلم بوطن، ولا يرى امامه سوى هياكل بلد، قد تنضج وتمسي وطنا، وقد تتعثر، ويسقط الوطن والحلم معا في آن.
وراح مروان حماده، ينظر الى الشمس، وهي تكاد تغطس في الافق البعيد ويردد بان الحلم لا بد منه، اذا اصبح الانسان جادا في طموحاته الانسانية.
بعد ذلك رن الجرس، في منزل الوزير المشرف على البحر، بالقرب من معاهد وفنادق، واطل فورا عليه، الاستاذ كريم مروّه القادم اليه، مع مجموعة من زملائه، وهم من دعاة اليسار اللبناني، وبهم رغبة في حوار منفتح على الافاق السياسية، وكأن كلا من الحاضرين، ينشدون الانفتاح على المستقبل، بافكار جديدة غير الافكار التي درسوها ودرَّسوها للشباب، لكن كريم مروة صارحه بسرعة بان ما يجمع بين الزملاء هو التغيير، وما يفرق بينهم هو اسلوب التغيير، كما كان يردد صديق الجميع الاستاذ توفيق سلطان، السياسي الطرابلسي العريق، والقريب من وليد جنبلاط ومروان حماده وكريم مروّة.
مرّت سنون عديدة، ساهمت في تكثيف الغياب وايامه، الى ان رحل صديق الجميع الشهيد جورج حاوي، في حقبة صعبة جعلت لبنان، يغرق في بحر من الشهداء على الساحة اللبنانية.
هل تغيرت الظروف، فباعدت الحوادث بين الرفاق والاصدقاء؟
قبل وفاته بثلاثة ايام، حاول جورج حاوي مع كريم مروّة وفؤاد البطل السعي مع القوى المسيحية الاخرى، للوصول الى هذا الموقع السياسي الحساس، الا ان فرنجيه اظهر انه اقرب من العماد عون للتوافق.
ويقول العارفون بالاسرار، ان سعد الحريري، يسعى الى تعويم لبنان وجعله يطفو على بحر من القوى المختلفة سياسيا، والمتوافقة لبنانيا على انقاذ وطن مهدد بالغرق، وتعصف فيه كل يوم عاصفة سياسية تندد بالفضائح، وتنشر اخبار الفساد في معظم المواقع الادارية.
ويردد هؤلاء بان السياسيين، اضفوا على الطقم السياسي، اخبار الفضائح، ولم يقيموا في لبنان توافقا على انتخابات رئاسية، ولا على انتخابات نيابية، ولا على اصلاحات سياسية.
وهذا، ما جعل الرئيس سعد الحريري، يتمسك بالارادة التوافقية، لكنه لم يكن يقيم وزنا للتوافق اذا ما خلت البلاد من ارادة تجمع بين الجميع، تحت سقف الجمهورية.
والمفارقات تتكرر احيانا وتختلف احيانا اخرى، فكما جمع ريتشارد مورفي اللبنانيين في العام ١٩٥٨، تحت عباءة ايزنهاور وعبد الناصر، فقد اختلف زميله روبرت، عندما عاد من دمشق الى بكفيا، بعد محادثات شاقة، مع حافظ الاسد ومعه اسم واحد: مخايل الضاهر او الفوضى.
الا ان الحرب نشبت في لبنان مجددا، وكانت اكثر ضراوة من السابق، لان فريقا من اللبنانيين اجتمع في بكركي، وفريقا آخر اتحد في اليرزة.
وما فعله مورفي الاول عجز عنه مورفي الثاني، بسبب القتال بين الجيش بقيادة العماد عون وفريق لبناني مسلح بقيادة الدكتور سمير جعجع، ومناصريه من الذين ابتعدوا عن الجيش وناصروا خصومه.
ثمة نقطة اساسية الان، هي ان الخصمين اللدودين عون وجعجع اتفقا على ترشيح العماد عون للرئاسة الاولى، وانسحاب الثاني من المعركة.
ويقول ان القصة لا تزال معقدة، لان العماد عون يتكىء على مساندة معارضيه السابقين، لكن عدم نزوله الى مجلس النواب، وعدم نزول النائب فرنجيه يعرقل انتخاب رئيس جديد للبلاد.
وفي رأي الكثيرين ان جماعة ١٤ آذار، اخطأوا في ترشيح فرنجيه وهو اساسي للدكتور جعجع، وجعلوا الانتخابات معلقة على اسم الجنرال، او على توافقه مع الحكيم، لكن هذا الامر لا يحسم المعركة لصالح اي منهما الى الرئاسة الاولى.
ويرى دعاة الحل، ان لا طريق معبدا نحو الحل، قبل حصول معجزة التوافق بين ثلاثي المستقبل وعون وجعجع، وهو اشبه بالمستحيل في الوقت الراهن، الا اذا نجحت المساعي العربية والدولية، في التوافق على مرشح توافقي يحظى بتأييد قوى ٨ و١٤ آذار والمستقلين في ظروف مؤاتية الآن، لوقف الحرب الدائرة بين اليمن والسعودية وايران، لان نهاية الحرب في صنعاء، تبدو اكثر اهمية من الصراع السياسي في لبنان، لان الحرب في اليمن تلتهم الاخضر واليابس، في حين ان الحرب في لبنان متوقفة، وسط معلومات تشير الى ان السلام من لبنان الى الرياض، اقرب من السلام من ايران الى صنعاء!