رفيق خوري

ايفان كراستيف رئيس مركز الدراسات الليبرالية في صوفيا يرى ان الهجرة افضل ثورة. فهي ثورة الفرد لا الجمهور.
وهي التي صنعت اميركا وتفوقها وقادت الى ما يسمى الاستثناء الاميركي. لكن بلغاريا بلد كراستيف ليست من هذا الرأي، بحيث عمدت الى اغلاق حدودها في وجه اللاجئين السوريين وغير السوريين، الذين يغامرون في الوصول الى اليونان للانطلاق منه الى المانيا والنمسا والسويد والدانمارك عبر دول البلقان.
وليس امرا قليل الدلالات ان تكون اكثر البلدان الاوروبية رفضا لقبول اللاجئين الهاربين من القصف والقمع والتعصب هي البلدان التي كانت في المعسكر الاشتراكي ولها تاريخ في استقبال اللاجئين السياسيين العرب وتعليم الطلاب العرب مجانا في جامعاتها. التصرف على اساس انها ضد التقوقع والعنصرية. فما حذر كراستيف من خطره، وهو حدوث ثورة مضادة في اوروبا، حدث بالفعل.
وصعود التيارات اليمينية المتطرفة في فرنسا والمانيا وبريطانيا وسواها من البلدان الديمقراطية والتي تتحدث عن حقوق الانسان لا يزال دون مستوى ايصال هذه القيادات الى السلطة. لكن احزاب يمين الوسط المتشددة ضد اللجوء وصلت الى السلطة في بولونيا وسلوفاكيا بعد
المجر.
ولم يكن من المفاجآت ان تلعب تركيا على الخوف الاوروبي من موجات اللاجئين وتحصل على بعض ما تريد عبر صفقة مع قادة اوروبا. فالقارة العجوز وجدت نفسها في بداية التفكك كما كتبت صحيفة الموند الفرنسية التي حذرت من وصول الاتحاد الاوروبي الخائف الى التسليم بسياسة لا حل لخطر اللجوء الا عبر التضحية بعضو منهم هو اليونان. وليس ذلك حلا بالطبع، لانه يضع كل الاحمال على كتفي البلد الغارق في الديون لاوروبا، ولا الصفقة مع تركيا تقدم سوى حل جزئي، فوق كونها مخالفة لمبادىء الامم المتحدة والقانون الدولي ولمعنى اوروبا.
لا بل ان اوروبا في ازمة سابقة لازمة الموقف من اللجوء.
فالمستشارة الالمانية انغيلا ميركل التي فتحت ابواب بلادها امام مليون لاجىء وجدت نفسها تواجه اعتراضات في الداخل حتى في صفوف حزبها الديمقراطي المسيحي وشريكها في السلطة الحزب الديمقراطي الاجتماعي.
ولم يبدل في الامر كون الآلاف بين اللاجئين يشكلون قوة عمل مدربة وخبيرة تحتاج اليها المانيا.
فضلا عن ان المانيا، وهي محرك القاطرة الاوروبية تواجه معارضة من جهتين: معارضة دول جنوب القارة لسياسة التقشف، وفي طليعتها اليونان واسبانيا وايطاليا.
ومعارضة دول في الشرق وسط القارة لسياسة فتح الابواب امام اللجوء، وفي الطليعة المجر. واذا كانت المانيا كما يقول كراستيف، تلوم دول الوسط على نقص التضامن والتعاطف، فان تلك الدول تتهم برلين باقامة امبريالية معنوية.
وفي اية حال، فان اوروبا التي ستقدم لتركيا ٦ مليارات يورو بموجب الصفقة الاخيرة وتتعهد دفع مبلغ اقل بكثير لكل من لبنان والاردن من اجل ابقاء اللاجئين في هذه البلدان، تعرف صعوبة وضع سد في وجه النزوح ما دامت حرب سوريا مستمرة. لكن قدرتها على انهاء مشكلة النزوح بانهاء الحرب عبر تسوية سياسية تبقى اقل بكثير من رغبتها في الامر. فالرئيس فلاديمير بوتين هو الذي يدير اللعبة عسكريا وسياسيا، وان كان في حاجة الى شيء من الشراكة مع الرئيس باراك اوباما. واقصى ما حاوله قادة فرنسا والمانيا وبريطانيا وايطاليا هو مطالبة بوتين بان يستعجل التسوية، ويركز القصف الجوي على داعش والنصرة فقط، من دون المعارضة المسلحة المعتدلة. وهو لم يجد ما يدعوه الى تلبية مطلب لهم بالضغط على الرئيس بشار الاسد للامتناع عن اجراء انتخابات نيابية في الشهر المقبل، بحجة ان خارطة الطريق في القرار ٢٢٥٤ حددت مواعيد الانتخابات الرئاسية والنيابية بعد ١٨ شهرا وفي ظل دستور جديد وقانون انتخاب جديد. اذ لم ير ان اجراء الانتخابات يتعارض مع خارطة الطريق.

والواقع ان روسيا صارت قوة ستاتيكو بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. فهي انتقدت ثورات ما سمي الربيع العربي. ورسالة موسكو التي تدخّلت في حرب سوريا، كما تقول مديرة مركز الدراسات الاوراسية انجلا شنت، هي في كيد الوقوف ضد التغيير الذي تراه الوجه الاخر للفوضى. لا بل القول ان روسيا، على عكس اميركا، تقف مع القادة والحكومات ضد الانتفاضات الشعبية ولن تهجرهم عندما تحاول قوى المعارضة الامساك بالسلطة كما فعلت واشنطن مع مبارك.
والمفارقة ان الكل يحمل دول الجوار السوري واوروبا والمنظمات الدولية المسؤولية عن العناية باللاجئين، في حين ان الدول والقوى التي تدفعهم الى اللجوء تتصرف كأنها ليست مسؤولة عن المأساة.