زياد الخزاعي

في فيلمه الروائي الطويل الـ6، «المُنبعِث»، يُقدّم المخرج السينمائي المكسيكي أليخاندرو غونزاليس إناريتو صورة بصرية بديعة الصُنعة عن معاني الانتقام والدم والصراعات القبائلية، في أميركا التي تعيش تداعيات انقلاب الآدميّ إلى وحش. لقطات مُضاءة بكاميرا شفّافة وآسرة، وتصوير يذهب بالعدسة إلى أقاصي النفس والروح والجغرافيا والعلاقات والطبيعة، وإسقاطات دينية مسيحية في مقابل أصالة إنسانية هندية ودموية المستَعمِر الأبيض وعنفه الاستيطانيّ.
في 10 كانون الثاني 2016، يفوز «المُنبعث» بـ3 جوائز «غولدن غلوب» في فئات أفضل فيلم وأفضل إخراج وأفضل ممثل في فيلم درامي لليوناردو دي كابريو، من أصل 4 ترشيحات (الترشيح الرابع في فئة أفضل موسيقى لليابانيّ رويتشي سكاموتو).
قائماً من ميتته كنبيّ برّي، وساعياً إلى انتقامه كإلهِ الدمار والثأر الإغريقي «آرا»، يزحف صائد الوعول وتاجر فرائها هيو غلاس (ليوناردو دي كابريو) من لحده، ليشرع بإرادة ربانيّة في غَمَرات ترحال «يوليسيسي» عبر قفار جليدية، بحسب رواية الأميركي مايكل بونكه «المُنبعِث» (طبعة «دار كارول وغراف» ـ 2002)، قاطعاً خلال طوافه ما يربو على 200 كيلومتر مليئة بالروع واللاأنس والغدر والبغضاء والمكر والمطاردات، ومدفوعاً بعزمٍ لا يهون كي يقتصّ ممَنْ غدروا بابنه، وتخلّوا عنه في محنة جروحه البليغة بجبنٍ ومن دون رأفة، ومسجياً في فلقة أرض وحشية.
هذه حكاية حقيقية لمستعمرٍ أبيض ينضمّ إلى جولات صيد تقوم بها «شركة روكي مونتانا للفراء» في جبال «داكوتا» عند حدود كندا، منشورة تفاصيلها في مجلة «الحدودي» في العام 1823، قبل أن تصبح أمثولة شعبية عن بسالة مستوطن أوروبي وعناده في مجازاة خصومه. كذلك هي «أسطورة» قيامة أمبريالي أُمّي من هَجَعة مؤقتة ليخدش توازناً طبيعياً، ويعادي سكاناً أصليين، ويسرق أرضهم، ويخطف نساءهم، ويبيد رجالهم، وينشر غصباً نُطفته بين قبائلهم العريقة، ملوّثاً أنسابهم.
حصافة درامية
فلم مخرج «بابل» (2006) و «بيردمان» (2014) المكسيكيّ أليخاندرو غ. إناريتو نصّ بونكه بتصرّف شديد، منتصراً للقوّة الكامنة في الكون ومحيطه البكر والخلاّب، فيما أبقى كائنات الرواية وحوشاً آدمية تسعى إلى رزقها بأيّ ثمن، محيلاً إياها إلى غيلانٍ دموية ونجسة وعنصرية. هذه ليست رؤية بونكه الذي يبدأ روايته باقتباس إنجيليّ: «لا تنتقموا لأنفسكم، بل أعطوا مكاناً للغضب، لأنه مكتوبٌ: لي النقمة وأنا أُجازي، يقول الربّ» (رومية، 12:19)، ممهّداً لعقيدته البيضاء المُصرّة على أن بطله، بمفهومه التاريخي، رمزٌ لعظمة مدينية وافدة من قلب أوروبا، مخلوقة عبر غلاظاتٍ وحماقاتٍ وجشع أورثتها إلى أحفادٍ هم ـ في مفهوم الحروب ـ أكثر دموية من أجدادهم.
لئن يُصوِّب الصياد غلاس بندقيته البدائية نحو الأيائل وصدور السكّان الأوائل على حدّ سواء، فإن أمثاله اليوم يوجّهونها نحو أجسادِ غرباء آخرين بضغائن لن تبحث عن منطق، مسحورين بإيمانٍ جازمٍ بأن الغضب أعظم شعائر قدرهم، والانتقام دأبهم المتوارث.
لذا، تدفع الحصافة الدرامية إناريتو إلى اختيار مشهد متداخل بأزمنته ومفخّم بانفعالاته، لافتتاح شريطه الآسر. مزيجٌ من مناغاة أبٍ لوليده على خلفية نيران إبادة يقوم بها جنود أوروبيون. يترنّم هيو غلاس بقول شعريّ ذي طابع حُلميّ، كأنه وعد شخصي: «لا تخف يا بني. أعرف رغبتك في دنوّ النهاية. أنا هنا، سأكون دائماً إلى جانبك. لا تستسلم. هل تسمعني؟ ما دمتَ تتنفّس.. قاتِلْ». يُعرّف التمهيد المختزل هذا بمرارة غلاس وتفكّك أسرته بعد اغتيال زوجته «الهندية» (غريس دوف)، التي نراها في مشهد سحريّ صاعق، وهي تطفو فوق رقاده المقبل. كائن يحمل صمته (عاره) الشخصي لاقترانه بامرأة ناقصة العِرق، ووجله الدائم في ضمان سلامة نجله الهجين والمشوّه بحرائق جنود الاحتلال هوك (فورست كودلاك) والمبغوض من قبل البيض الساعين إلى أذاه، قبل أن يحقّق المجرم جون فيتزجرالد (البريطاني توم هاردي) رغبتهم في طعنه ودفنه حياً، عندما يحاول اليافع صدّه عن تصفية والده الجريح، إثر تعرّضه لهجوم دبّة تتوجّس خطراً على صغارها، وتدافع عنهم بضراوةٍ، قبل أن يغدر بها غلاس.
انتقامان
كما في مشهد صراع البطل (دي كابريو) مع الحيوان الناقم، بحسب رؤية إناريتو وشريكه في كتابة السيناريو مارك سميث، على الرغم من وروده ضمن فقرات قليلة في الرواية، ذروة درامية مجازية لدفاع طبيعة ضد غزاة أمانها وتكافلها (من إشاراتها نيزك مشتعل، وذئاب شرسة، ونمل قاتل، وغيرها)؛ هو ـ من وجه آخر ـ تدبير قدري يقود غلاس إلى قصاصه الشخصي، على الرغم من وصيّة يسوعه الآنفة الذكر، وعلى الرغم من حكمة مقاتل مهزوم من القبائل الأصلية، يُنقذه من جوعه بقطعة كبد ثور، ويسعى إلى منع غيّه في أن «العقاب بيد الخالق»، الذي يتحقّق في نهاية الـ 156 دقيقة (مدّة الفيلم). الهمجيّة، بتبرير وجودها، تتعايش عندما تجد ملاذاً مؤقتاً في الفلاة؛ بيد أن خبثها يقودها إلى انتخاب منتصر ما، حين يصبح الصراع غير متكافئ. هكذا، يُقرّر بونكه أن الغلبة في عالمه الروائي «يجب» أن تكون بيدِ سليل نار ودهاء، تحرسه قوّة دولة لها قوانينها وزعاماتها وغنائمها، مع أنها في طور صيرورتها الأولى. عليه، يكون شنق الفرنسيين لـ «الهندي» المنقذ، وتعليق لوح حول رقبته تشير إلى «بربريته»، تاركين ابن جلدتهم إلى مصيره، بمثابة إقرارٍ بلا عدالة البشرية ورَوع إجرامها. وهو الجزع نفسه الذي يُحرّض إناريتو على تطويب غلاس في ركام كنيسة مهجورة مناجياً، على جدرانها، صُوَر مسيحه المصلوب وناسوته وقديسيه، قبل أن يحتضن «شبح» ولده المغدور، إيذاناً بأحقية الآية القائلة إن «أجرة الخطيئة موت» (رومية، 23:6).
هناك انتقامان. فالى جانب هيو غلاس وبحثه عن فيتزجرالد وشريكه برجدير (ويل بولتر)، يسعى زعيم قبيلة الـ «أريكارا» إلى إنقاذ ابنته، والقصاص من خاطفيها البيض. يرتبط كلا المصيرين بدمٍ واحد، عندما ينقذ البطل الشابة، ويعفو والدها ورجال قبيلتها عنه لاحقاً بسبب انتصار دوافعه العائلية، ويكافئونه بحزّ رقبة السفّاك انتقاماً لروح «نصف ابنهم» هوك.
مدير التصوير المكسيكي إيمانويل لوبيسكي في «المُنبعِث» ـ منذ المعركة الأولى (مدّتها 10 دقائق) التي تحدث عند حوافي غابات لويزيانا، وحتى المطاردة الختامية بين هيو غلاس وعدوّه (16 دقيقة) ـ لاعبٌ نافذٌ في خلق وتركيب نسغ صُوري متشابك وحيوي لطبيعة فاتنة، لا «يصطاد» في مشهدياتها ـ التي تُصنع بشكل يوحي بلقطة واحدة طويلة كما في «بيردمان» ـ سوى إضاءات فعلية لساعات الأسحار الشهيرة، حيث الضوء الإلهي يعلو بياضه على سواده، ما يغمر الشريط بصُوَر رؤيوية خلاّقة، ذات فتنة لا نظير لها.
«المُنْبَعث» في لبنان والعالم
تبدأ العروض التجارية اللبــــنانية لـ «المُنْبَعِث» بعد ظــــهر اليـــوم الخميس، 14 كانون الثاني 2016، في صالات «غراند أ ب ث الأشرفية»، و «غراند أ ب ث ضبيه»، و «غراند كونكورد» (فردان)، و «غراند لاس ساليناس» (أنفه)، و «غراند صيدا»، و «غراند غالاكسي» (بولفار كميل شمعون)، و «سيــــنما سيتي أسواق بيروت»، و «سيــــنما سيتي الدوره»، و «أمبير دون» (فردان)، و «أمبير بروميــــير» (سوديكو)، و «إسباس» (الذوق)، و «سيتي كومبلاكس» (طــرابلس).
يُذكر أن إيراداته الدولية تبلغ 65 مليوناً و894 ألفاً و590 دولاراً أميركياً، في الفترة الممتدة بين 25 كانون الأول 2015 و11 كانون الثاني 2016، موزّعة على إيرادات محلية (أميركا الشمالية) تساوي 45 مليوناً و407 آلاف و124 دولاراً أميركياً، وإيرادات دولية تبلغ 20 مليوناً و487 ألفاً و466 دولاراً أميركياً. وذلك كلّه في مقابل ميزانية إنتاجية تساوي 135 مليون دولار أميركي.
أليخاندرو غ. إناريتو
يأتي «المُنبعث» لأليخاندرو غ. إناريتو بعد أشهر عديدة على فوز فيلمه السابق «بيردمان» بجوائز عديدة، أبرزها «أوسكار» 2015 في فئات أفضل فيلم وأفضل إخراج وأفضل سيناريو أصلي لإناريتو ونيكولاس جياكوبوني وألكسندر دينالاريس وآرماندو بو، الفائزين قبلها بجائزة «غولدن غلوب» في الفئة نفسها. المولود في مكسيكو في 15 آب 1963، يتابع الشاب دراسة في علم الاتصالات، ويُقدّم برنامجاً إذاعياً خاصّاً بالـ «روك» في الإذاعة الأبرز حينها WFM، التي يُصبح مديرها في العام 1986. يؤلّف موسيقى أفلام مكسيكية عديدة، ثم يدرس المسرح، ويتابع تخصّصاً بإدارة الممثلين في الولايات المتحدّة الأميركية.
في العام 1995، يُحقّق اول فيلم روائي قصير له بعنوان Detras Del Dinero، وفي العام 2000 يُصبح مخرجاً لأول فيلم روائي طويل له بعنوان Amores Perros، يُلحقه بـ 5 أفلام، من دون الابتعاد عن تحقيق أفلام قصيرة أيضاً، وعن العمل في مجالي الإعلانات والإنتاج. من أفلامه الطويلة: «21 غراماً (2003)، و»بابل» (2006)، و»بيوتفيل» (2010).