تحترم كنيستنا ذكرى قديسيها. تحتفل هذه الكنيسة بذكرى النبي إيليا الغيور باحترام وخشوع. إن هذا الهيكل قد بني على اسمه، هنا نجتمع لنصلي ونطلب مساعدته وشفاعاته لتقويتنا في مواجهة صعوبات الحياة.
أعياد كنيستنا يشبهون ” سلسلة ذهبية ” لا انقطاع في عقدها بل مستمر؛ إنهم تواصل، من الحاضر إلى الماضي، ومن الماضي إلى المستقبل. أحد الشهداء القدماء هو الشهيد بوليكرب. كان أباً رسولياً وبحسب التقليد، كان تلميذاً ليوحنا الإنجيلي. يكلمنا الشهيد عن ما يلي: أولاً، في الذكرى السنوية لموت الشهيد، يجتمع المؤمنون ” بفرح ” ليحتفلوا ويكرموا شهيدهم. ثانيا، بقايا الشهيد تعتبر أثمن من الفضة والذهب. ثالثاً والأهم، يعطي الشهيد جواباً للذين يتهموننا بأننا نكرّم الخشب والإنسان، بينما عبادتنا هي لله فقط.
الكنيسة الأورثوذكسية تميّز كلها العبادة التي هي فقط لله ولإبنه والمحبة التي نظهرها للشهيد تلميذ الرسل والذي التزم بالمخلص. أعياد كنيستنا قديمة ومهمة لحياة كل المؤمنين بيسوع المسيح.
إحدى الطرق التي بواسطتها يعيش المؤمن ويشعر ويطبّق إيمانه هي في التعييد. حيث لا توجد احتفالات دينية أو أنها نادرة، نرى الإنسان يخلق لنفسه أعياداً ليعيدها. مثلاً: ” يوم المحارب، يوم الأم، يوم الشكر، وهناك يوم لتكريم الصيادين. قال أحد المدرسين وعالم نفساني: ” سيتوقف الإنسان عن العيش روحياً عندما لا يتعلم معنى التعييد “. عرف آباء الكنيسة هذه الحقيقة المعرفة الحقّة. فتشوا بعمق عن الحقائق اللاهوتية وبشّروا بالإنجيل، لكنهم وبنفس الوقت وضعوا أسس الخِدَم الأسرارية وحدّدوا أعياد السيّد والعذراء والرسل وباقي آباء الكنيسة الذين خدموا وماتوا من أجل الإيمان.
السنة الكنسية تتشابه والسنة العلمانية. مثلاً لنأخذ مفهوم العيد: فكرة الشتاء تقترن بعيد الميلاد؛ الربيع، عيد القيامة؛ شهري آذار وآب لأعياد العذراء؛ تموز لعيد النبي إيليا الغيور وألخ… ينتظر المؤمنون وقت حلول العيد كما تنتظر الأم عودة ابنها من المهجر. قالت لي البارحة سيدة، سأذهب نهار الأحد إلى كنيسة النبي إيليا. لقد وعدت خالقي بأني سأذهب إلى كنيسة النبي إيليا في كل سنة خلال عيده. وتفعل ذلك لا بحسب عادة، ولكن نتيجة شعور بالضرورة لتعيش الإحتفال وبذلك تشترك في أسرار الكنيسة.
التعييد في الكنيسة ينبغي أن لا يُفهم كونه ذكرى سنوية لحدث تاريخي نعيّد له ميكانيكياً. إذا ما عيّدنا بهذا المفهوم عندها سوف لن يكون هناك من فرق بين هذا العيد والأعياد العلمانية أوالوطنية. هدف الأعياد الدينية سرّي، لتوجيه الإنسان بالحدث نفسه وبالشخص المُعيّد له. خلال العيد يعيش المؤمن روحياً الحدث وهدف العيد: ولادة المسيح، الصليب، القيامة، وكل ما حدث خلال خدمته الأرضية. وهذا لم يحدث في الماضي ولكن في الحاضر، الآن، في برهة التعييد.
لهذا السبب، استعمل آباء الكنيسة في تعابيرهم “… اليوم، نعمة الروح القدس جمعتنا…”. ” اليوم علّق على خشبة “. ” اليوم وُلد من العذراء “، وغيرها الكثير. إن استعمال كلمة ” اليوم ” هو تعبير عن واقع روحي وسرّي، يعيش في قلب وضمير المؤمن.
الهدف الأساسي للتعييد هو وحدة المؤمن بالمسيح ” بدمه وجسده “. إنه مجموعة إيمان ومحبة واحدة. إيمان بالمسيح ومحبة نحو كل الأخوة. إن من لا يؤمن بهذا التعليم لا يمكنه أن يشترك في التعييد. إن من لا يحب لا يمكنه أن يكون أخاً أوأختاً أو إبناً لله المُحب. يتّحد المؤمنون بالمناولة المقدسة بعضهم مع بعض بالجسد الواحد فيصبحون جسداً ودماً واحداً مع المسيح.
هنا نجد الفرق بين الإحتفال بالذبيحة الإلهية أو أي مناسبة أخرى يُحتفل بها والأعياد العلمانية. يترك المعيّدون للأعياد الوطينة أوالعلمانية وهم مرهقون. بينما المؤمنون بعد الإنتهاء من أي خدمة يعودون إلى بيوتهم بعد أن يباركهم الكاهن، ممتلئين من نعمة الروح القدس والسلام الذي حصلوا عليه بالجسد والدم المقدسيَن.
المهم أن يعرف المؤمن بأن التعييد الكنسي هو ” أكثر من عادة “، كما يذكر غريغوريوس اللاهوتي. أعياد كنيستنا ليست أحداثاً تاريخية تُعاد تقليدياً. الأعياد هي طريق وقسم من حياتنا، طريقة يمكننا بواسطتها أن نشترك في سرّ الإيمان. نقرأ في قانون الكنسة ما يلي: إن من يعمل لأهداف شخصية، إن من لا يقترب من العيد بمحبة له، لا يُكرَّم المعيّد له، لكنه يُكرم نفسه. كرّم، أيها القارئ الكريم، أعياد الكنيسة. مرّن أولادك منذ سنواتهم الأولى للإشتراك في الخِدَم الإلهية. إن لا اهتمام وقفر مجتمع اليوم هم برهان على فشل حياتنا الإجتماعية. نرى بأم أعيننا يومياً عائلات وأشخاص يسيرون إلى الحضيض. كلما ابتعدنا عن النار كلما زاد شعورنا بالبرد. هذا ما نشاهده غالباً مع أولادنا. أولاد لا يعرفون الكنيسة، لا الأعياد ولا القديسين، ولا الفرق بين يومي الأحد والإثنين، بين يوم مقدّس وآخر عادي.
كرّم قديسي الكنيسة – القديسون هم سفراء الله في صلواتنا.