ليسا بوياجيان

ربما يعلم الكثير من القراء من نحن.. نحن شعب الأرمن.. أقدم شعوب الأرض، فدارسو التاريخ يعلمون كيف ان أمتنا كانت أمة عظيمة في آسيا الصغرى وكيف صارعت عبر الأزمنة مع الآشوريين والفرس وغيرهم…  فشعبنا له بصمات في صنع التاريخ منذ القدم.
ففي أرمينيا رست سفينة نوح بعد الفيضان على جبل «أراراط» حيث بدأت البشرية تلتقط أنفاسها وتبدأ بداية جديدة…
أرمينيا هي أول دولة إعتنقت الديانة المسيحية كديانة رسمية كأمة في عام 301. وبعدها الروم عام 303. فأرمينيا هي أرض الكنائس أرض الكروم أرض المعادن…
من كان من القراء يعيش في أية دولة في الشرق الأوسط يعلم بالتأكيد من نحن.. نحن شعب مشتت في بقاع الأرض، شعب قاسى الظلم والإستبداد منذ القدم، شعب صار ضحية موقعه الجغرافي الفريد ومطامع شعب مجرد من أي معاني الإنسانية…
فقبل مئة عام قامت الدولة العثمانية بالمذابح الأرمنية التي وصل عدد ضحاياها إلى أكثر من مليون ونصف المليون أرمني… واحتلت الجزء الأكبر من موطننا، فتركيا الشرقية ما هي إلا أرمينيا الغربية سابقاً.. وللأسف يقع جبل «أراراط» ضمن المستعمرات التركية حالياً.. نعم فكل البقاع الخلابة التي تتنعم بها تركيا هي التي تلطخت بدماء أبرياء… فما كانت إلا ان تتخلص من تلك العَقَبة… أن تتخلص من شعب بأكمله، فقامت بالمذابح الجماعية .. عبر إبادة شعب بأكمله… ومارسوا أبشع وسائل القتل.. فكان الاتراك يغتصبون النساء أمام أزواجهم ثم يقتلونهم أمام نسائهم وأطفالهم… ويصلبون النساء عاريات على صلبان… يسخرون الرجال لحفر خنادق واسعة لتكون مقابر جماعية ودفنهم أحياء.. يشنقون، يقطعون الرؤوس.. يذبحون حتى الاطفال والشيوخ… بلا أي رحمة، كل من ليس من جنسهم ودينهم…
نعم… فنحن لم نمت في حرب.. لو مات هؤلاء في الحرب العالمية كما تدَّعي تركيا.. لكان المشهد مختلفاً.. لكن ما قام به الجيش التركي من بشائع لا يتماشى مع أي مبدأ إنساني ولا أخلاقي. ولماذا كل هذه الوحشية؟ لإغتصاب أراضي وإبادة شعب.. إبادة شعب لم يقبل أن ينكر مسيحيته؟؟… لكن أريد أن أذكر.. لا نزال نحيا… فنحن الجيل الثالث منذ المذابح… فكل منا له جد أو جدة ممن إستطاعوا أن يفرّوا من الوطن الى البلاد المجاورة.. الى دول إحتضنتنا ووفرت لنا الملجأ الذي عشنا فيه بكل كرامة… وإن سألت أي أرمني مغترب فستشعر بكم الولاء والوطنية التي نحملها في قلوبنا لتلك البلاد.. لأننا وجدنا فيها الوطن البديل… «فلا يشعر أحد بقيمة شيء إلا الذي فقد هذا الشيء قبلاً» لذلك نحن نقدِّر كلمة وطن لأننا حُرِمنا من وطننا… تناغمنا مع كل الشعوب لكن حافظنا على قوميتنا وهويتنا.
إن أصل كلمة «إبادة» وُجدت على المذابح الأرمنية.. تلك الكلمة التي تنكرها تركيا وتبدلها بلفظ ضحايا حرب.. لا… لم نكن ضحايا حرب.
والآن وفي ذكرى مئة عام (يوم 24 نيسان/ ابريل) من الإبادة ونحن لا نزال نحيا.. ولم ننسى ما حدث ولن نهدأ حتى تعترف تركيا بالمذابح الأرمنية…
فها نحن اليوم لا نبكي على أطلال الماضي ولا نشفق على أنفسنا.. لكننا نطالب بحقوقنا الشرعية ونحمل في قلوبنا الشكر والإمتنان لكل من ساندنا من شخصيات عالمية وحكومات ودول بالإعتراف بإبادة الأرمن. وقام مؤخراً بابا الفاتيكان أثناء قداس الأحد بذكر كلمة إبادة في حق الشعب الأرمني وذلك لما تمتلك الفاتيكان من رسائل وإثباتات تدل على إنها كانت إبادة.
نعم لا نزال نحيا.. فنحن شعب عنيد ومثابر لا يستسلم …نُعَلِم أولادنا قراءة وكتابة اللغة الأرمنية.. نبني الجسور، نزرع ونحصد ونغني ونرقص ونحلم.. لأننا لا نزال نحيا
وأخيراً… لكل شيء تحت السماء وقت.. والرب هو مجري العدل والرحمة.