في وقت كان الهدف من حملة ازالة الشعارات والصور والاعلام الدينية والحزبية في المدن الثلاث الكبرى بيروت وطرابلس وصيدا ولاحقا في كل لبنان ، خلق اجواء من الراحة للمواطن ، وتنفيس الاحتقان المذهبي والطائفي ، ولو من دون حلول عملية ودائمة ، جاءت النتائج تاجيجا للشعور المذهبي بين كلام من هنا وكلام من هناك ، ليتحول على المواقع الاجتماعية “حرب إلغاء وابادة مسيحية – إسلامية” .
ان قمة الجهل والتعصب ان يغرق البلد بهذه الفوضى من التعاطي ، كلما أحب شخص ان يِِصرّح في هذا الاتجاه او ذاك حول مسألة معينة تبدأ عادية ولكن سرعان ما تتحول مذهبية وطائفية .
وكأن من يحب دينه او طائفته لا يتذكر هذا الدين وهذه الطائفة الا حين يتعرض له الاخر ، ما يوحي ان وجوده او عدمه رهن تصريح من هنا وآخر من هناك .
فهذا هو لبنان المريض بالطائفية البغيضة ، وهذا يؤكد فشل كذبة العيش المشترك التي لم تؤمن قيام دولة مدنية يتساوى فيها المواطنون بالحقوق والواجبات ، فينتهي اللجوء الى المذهب والطائفة للشعور بالامان .
كان البطريك التاريخي ، اطال الله بعمره ، الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير يقول كل ما سئل عن مسألة إلغاء الطائفية السياسية المنصوص عنها في الدستور “انه يجب إلغاء الطائفية من النفوس قبل النصوص” . ولان العلة فعلا في النفوس وليس في النصوص نرى ان البلد تهب وتقف على كف عفريت الطائفية كلما تحدث سياسي عن موضوع طائفي بعض النظر عن حجمه السياسي .
لم يأتِ قرار ازالة الشعارات على اي مَس بأي رمز ديني ولم نسمع ان احدا يريد ان يلغي دين الاخر ، فلماذا كل هذه الضجة بسبب تصرف من وتصريح مقابل من هناك .
اما النائب خالد الضاهر المعني الأساسي في هذه المسألة فقد أعلن تعليق عضويته في “كتلة المستقبل”. وقال في بيان: “بعد ما حصل في ساحة النور والاعتداء على رمز المسلمين الاول وركنهم راية “لا اله الا الله محمد رسول الله”، وحيال القرار الذي اتخذه محافظ الشمال رمزي نهرا والقاضي بإزالة الصور والشعارات السياسية والدينية والذي طاول ركن المسلمين الاول في اعتداء صارخ على اهل طرابلس واهل السنة، وبعد موقفي الذي استنكرت فيه التعرض للرموز الدينية لكل الطوائف، ومطالبتي بتطبيق القانون على الاراضي اللبنانية، واذا كان ثمة قرار، فليبدأ تطبيقه من بيروت بعدالة وعلى الجميع، اعتبر كلامي اساءة الى المسيحيين، وأصبحنا في نظر البعض نعتدي على الآخرين، في حين اننا نحن من اعتدي على رمزهم الديني، وكان يفترض بهم الاعتذار الينا.”
وختم: “أمام اللغط الحاصل، ومنعا لإحراج “كتلة المستقبل” النيابية، أعلن تعليق عضويتي في الكتلة، مع تأكيد احترامي لكل الطوائف والمذاهب الاسلامية والمسيحية ورموزها الدينية، ولم أكن لأسيء الى أي منها في يوم من الايام”.
وقد وافقت كتلة “المستقبل” على طلب النائب الضاهر تعليق عضويته فيها، مؤكدة تمسكها الثابت “برسالة العيش المشترك والاعتدال ورفض التطرف والتشدد وادانة الارهاب والمجموعات الارهابية”، وحرصها على “الدفاع عن حرية الرأي والمسؤولية حيال الشركاء في الوطن”، معتبرة “ان الراية الوحيدة التي يجب رفعها هي راية لبنان المتمثلة في العلم اللبناني”.
يفترض بعد هذا كله ان يكف الغلاة من كل الفئات والطوائف عن تأجيج الحساسيات وخصوصاً على مواقع التوصل الاجتماعي التي تحولت عن هدفها الأساسي الى منابر للشتائم وابراز الكراهية والحقد من قبل الجميع وضد الجميع.
البلد يحتاج الى اكثر من ازالة الشعارات ، يحتاج الى ازالة السلاح والفساد الأمني والسياسي والاداري والغذائي ، ويحتاح الى وعي في ظل عواصف المنطقة ، ويحتاج الى ازالة الطائفية من النفوس ومن النصوص من اجل بناء الدولة المدنية العادلة من الجميع ومن اجل الجميع ، وإلا فإن لبنان سيبقى عرضة لكل انواع الفوضى في كل زمان ومكان .

سايد مخايل

sayed@al-anwar.com.au