عباس مراد

“العظيم الفكر من اعترف بأنه مبلّغ وانه مودَع الحقيقة”
المطران جورج خضر من مقالة له بعنوان الإستكبار:
تعتبر الثقافة رافعة من أهم الروافع التي تساعد الشعوب والأفراد الإرتقاء في السلم الحضاري والتطور الإنساني بجميع جوانبه، عمرانية، اقتصادية، اجتماعية، فنية، أدبية وحتى سياسية…
لعب الفلاسفة، الشعراء، الحكماء والأدباء دوراً تاريخياَ في مساعدة اممهم وأوطانهم وشعوبهم ليكون لها موقعاً حضارياً متميزاً في فترة زمنية معينة وكان العرب من بين تلك الأمم، لكن مؤخراً بدأت تبرز في العالم العربي ظاهرة خطيرة لا بل انها مميتة تظهر مدى فساد وإفلاس عينة من المثقفين أو أشباه المثقفين الذين تخلّوا عن احترام الحقائق واتباع آلية السوق في العرض والطلب، حيث يمارس المثقف الإقصاء الذاتي عن مبادئ وقيم وعقائد انسانية ووطنية وقومية يعتقد أن الزمن قد تجاوزها. وهناك مثقفون آخرون من الذين يتمسكون بشعار معين ولا يزالون يرفعونه ليغطوا على النتِن من الأفكار التي يروّجون لها والتي تفوح منها كل روائح الموبقات الثقافية والإجتماعية والسياسية حيث يَعتبرون الإستعمار المباشر لشعوب العرب وجهة نظر تستحق أن تؤخذ بعين الإعتبارعلى اساس انها احدى الحلول لمشاكلنا، فترى بعضهم ينقلب الى إمامٍ في الكذب والتسويف والتحريف والتبرير والتعليل مستثمراً لغة مطواعة تجود على المثقف المفلس والفاسد والمنحرف حتى يجود في صناعة الكذب والتدليس والإبتذال والإستزلام حتى أصبحوا أساتذة في الإنتهازية وتصبح عندهم الحرية تقاس بمقاس مؤشرات الأسهم في البورصة والدفعات في الحساب المصرفي.
من المهم أن ينظر المثقف الى الأمور من وجهة نظر مختلفة وان يغيّر آراءه بما يخدم  ويماشي مصالح الامة والشعوب والناس، لكن من حق الناس على المثقفين ان يستقيلوا من نفاقهم ويعلنوا للقاسي والداني انهم  يبحثون ويركضون خلف مصالحهم الشخصية المباشرة والغير مباشرة، الظاهر منها والباطن حيث يتوارون خلف اقنعة متعددة يجيدون صناعتها حسب الظروف، ببراعة واسلوب يعتقدون  انه راقٍ على رخصه واسفافه وتهافته وتفاهته والذي يشكل الوجه الآخر للتسط الفكري والثقافي الذي لا يقل خطورة عن اي نوع آخر من التسلط حيث يعتبر هذا المثقف نفسه انه معنيّ بمحاربته والوقوف في طريقه ومواجهته زيفاً وبهتاناً، بتلفيق لغوي رخيص وسافر على حساب العقل والثقافة والشفافية ونشر الغث والسطحي من الأفكاربعيداً كل البعد عن العمق والإلتزام بالمصلحة الإنسانية، عازلاً نفسه عن واقعه وينظر الى الأمور بعدسات ميكروسكوبية مكبّرة ومصغّرة كما تقتضي الحاجة او حسب ما تمليه المصلحة الشخصية والأنانية الملونة بشتى الألوان والمدفوعة بإغراءات مادية تقودهم وتصل بهم الى حد خيانة القيم الإنسانية والوطنية والقومية والتي يعمل بكل جدّ وجهد وبكل ما اوتِيَ من فكر وحبر من أجل طمس والغاء الهوية متسلحاً بمنطق تضليلي جهنمي يقوّض من الداخل تلك القيم حيث فقدَ او انه لم يكن يملك فكر النهوض والتقدم واستشراق المستقبل مواصلاً بث الجهل والتمسك بالتخلف الذي يعيق المسيرة الحضارية من أجل عدم خسارة ما يعتقد انه دوره القيادي والطليعي، حيث يعتقد نفسه معصوماً عن الخطأ وفوق النقد، ولا يختلف المثقف المفلس والفاسد سواء كان علمانياً او قومياً او ماركسياً او اسلامياً او يدعي أية صفة من تلك الصفات وغيرها، فيتبع زوراً وبهتاناً القاعدة الفقهية الشهيرة التي تقول “أينما كانت المصلحة فثم شرع الله” في تحريف متعمّد على اعتبار المصلحة الشخصية مقدمة على المصلحة العامة عنده، فمصلحة الخلق قد يراها المثقف المفلس والمفسد حسب هواه.
ما نزال الى يومنا هذا نتساءل، لماذا تقدمت حضارة الغرب وتراجعت الحضارة العربية والإسلامية؟!
في الغرب ينظر الى دور المثقف نظرة مختلفة، حيث توضع عنده المصلحة العامة قبل المصلحة الخاصة، فلا محاباة من هنا او تفضيل من هناك لرئيس او وزير على حساب المصلحة الوطنية، وهذا يعني ان الحضارة الغربية لا مشاكل لها وعندها، لكنها على الأقل تعالجها بأسلوب حضاريّ وفكريّ وعلميّ وواقعيّ من جوانبها الإنسانية والقانونية ويشكل المثقف الرافعة الأساسية وخط الدفاع الأول عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، بينما عندنا المثقف المرتزق، المفلس والفاسد يمارس الذبح الثقافي بحق كل من يقف في وجه تنظيراته التي يباهي بها باقي الأمم مع انها لا تسمن ولا تغني من جوع لا بل تأتي على الأخضر واليابس وتأتي على ذاكرة الشعوب والسيطرة على وجدانها وتدجينها عبر نشر التبريرات والتفسيرات والنظريات وطبعاً الإناء ينضح بما فيه، فعليه لا يستغربنا أحد اسلوب هؤلاء الذين يتغنون في الصراخ والعويل والسب والشتم والهجاء والتقريع واللعن بما يستعملونه من عبارات هابطة بذيئة، عليه نرى ان هذا الواقع المزري بحاجة الى معالجة جذرية وجدية ووضع حد لهذه المهزلة التي جعلتنا اضحوكة امام الامم والشعوب الاخرى.
ثمة اسئلة لا يمكن الهروب منها والإجابة عليها ومنها على سبيل المثال كيف يمكن وضع حد لهذه الظاهرة حتى نستطيع العودة الى المساهمة في الحضارة الإنسانية؟