اقفلت مع الجلسة الخامسة لمجلس النواب الخميس لانتخاب رئيس جديد للجمهورية كل امكانات انقاذ الاستحقاق الرئاسي في ربع الساعة الاخير من المهلة الدستورية التي تنتهي في 25 ايار بما يعني ان لبنان مقبل حكما على استعادة تجربة أخرى من تجارب الفراغ الرئاسي. ومع ان رئيس مجلس النواب نبيه بري اعلن الجلسة الانتخابية مفتوحة حتى نهاية المهلة، فإن ذلك لم يحجب ظل الفراغ الذي صار واقعا قهريا سيبدأ التكيف معه اعتبارا من الاثنين المقبل على مختلف المستويات ورصد ردود الفعل داخليا وخارجيا على هذا التطور الخطير في مسار الوضع اللبناني.
وفيما يغادر رئيس الجمهورية ميشال سليمان قصر بعبدا بعد ظهر اليوم عقب الاحتفال الوداعي الذي سيقام في المناسبة ويلقي فيه خطاب الوداع، يحل عهد الفراغ الرابع الذي عرفته الجمهورية اللبنانية في حقبتي جمهورية الاستقلال وجمهورية الطائف، علما ان التجربة الاولى حصلت عقب الولاية الثانية للرئيس بشارة الخوري والثانية عقب ولاية الرئيس امين الجميل والثالثة عقب ولاية الرئيس اميل لحود. وتخشى اوساط حكومية ونيابية ان تبدأ تداعيات الفراغ بمقاطعة النواب المسيحيين الجلسات التشريعية لمجلس النواب بما يضع الجلسة المقررة الثلثاء المقبل لاستكمال النقاش في سلسلة الرتب والرواتب في مقدم “ضحايا” الفراغ، كما ان ثمة شكوكا بدأت تتسرب في اتجاه العمل الحكومي في ظل انتقال الصلاحيات الرئاسية الى مجلس الوزراء مجتمعا بما يؤثر في آلية اتخاذ القرارات.
وأكد الرئيس بري امام زواره  انه بعد انقضاء ايام على المهلة الدستورية الاسبوع المقبل سيدعو الى جلسات دورية لانتخاب رئيس للجمهورية. وقال:
من اليوم وحتى الايام الاولى من الشغور، فإن المجلس في حال انعقاد دائم الى ان تتوافر الاجواء والظروف الايجابية احدد موعدا لهذه الجلسة”.
وتساءل: “ما الفائدة من حجز النواب وابقائهم يوميا في المجلس اذا لم يحصل اتفاق على توفير النصاب واكتماله”، معتبرا ان “المشكلة ليست في المجلس بل عند الاطراف الذين لا يتفقون على الاستحقاق وانتخاب رئيس”.
وماذا عن التشريع في البرلمان بعد حصول الشغور في الرئاسة الاولى والحديث الدائر عن عدم توجه النواب المسيحيين الى المجلس؟ أجاب: “انا متمسك بعملية التشريع وبجلسة 27 من الجاري. ولا اريد تسجيل سابقة تساهم في تعطيل المجلس ودوره بذرائع شتى منها الشغور في الرئاسة. ولماذا تكرار تجربة الحكومة المستقيلة (نجيب ميقاتي) وتعاطيها مع المجلس وعدم حضور نواب الى البرلمان آنذاك، وعندما المس ان اي جلسة غير ميثاقية لا اعقد جلسة من هذا النوع. اما من لا يريد ان يحضر فهو حر. واذا حصل هذا التغيب وعدم الحضور فهذا الامر يعارض الديموقراطية وانتظام المؤسسات والحياة السياسية في البلاد. ومن قال انني مسرور بحصول شغور في موقع رئاسة الجمهورية؟”.
وعلم ان اجتماعا قياديا لقوى 14 آذار انعقد لتقويم مرحلة ما بعد 25 ايار. وجاء الاجتماع ضمن اجتماعات متلاحقة للتكتلات النيابية وسط حركة وصفت بانها ناشطة جدا.
واذا كانت الجلسة الخامسة للمجلس تحولت جلسة منبرية واعلامية مع فقدان النصاب، فإنها شهدت ردودا على الموقف الاخير للعماد ميشال عون في دعوته الى قيام “مثلث” يضمه والرئيس سعد الحريري والامين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله. ولوحظ ان افرقاء عدة في فريق 8 آذار التزموا الصمت حيال موقف عون، فيما أبرزت ردود قوى 14 آذار عليه خصوصا خطورة دفعه نحو المثالثة بدل المناصفة محذرة من خلفيات مبيتة لهذا الموقف. ومن المتوقع ان يعقد عون مؤتمرا صحافيا الاثنين المقبل يحدد فيه موقفه من المرحلة المقبلة بعد حلول الفراغ الرئاسي.
مصادر بكركي
وفي هذا السياق أكّدت مصادر بكركي أنّ «البطريركية المارونية ترفض في المطلق كلّ الطروحات التي تخرج عن روح الميثاق والدستور الذي أقرّ المناصفة بين المسلمين والمسيحيين مهما بلغ عدد كلّ طائفة»، لافتةً إلى أنّها «أبدت امتعاضها الشديد من الطرح الذي يقول إنّ الاستقرار في لبنان يقوم على مثلّث ثلاثي الأضلاع»، معتبرةً أنّه «يشكّل تمهيداً للمثالثة المرفوضة، كذلك، فإنّ هذا الطرح يقوم على أشخاص، فيما الأوطان تُبنى بالمؤسسات الصلبة، وأهمّها رئاسة الجمهورية»، واستغربَت «صدور هذا الطرح عن جهة مسيحية مرشّحة للرئاسة».
ودعت المصادر أصحاب هذه الطروحات الى «القيام بواجبهم الدستوري وتأمين النصاب لانتخاب رئيس، بدل اللعب بالتركيبة اللبنانية، لأنّ أيّ تقليص لدور المسيحيين وحصّتهم في الدولة هو خطّ أحمر، وبكركي لا تقبل بمزيد من التنازلات»، ورأت أنّ «هذا الطرح خطير، لأنّه يأتي في وقت لا يوجد فيه رئيس جمهورية، وعندما نبدأ بالبحث في توازنات جديدة قد نصل الى نتائج لا تُحمد عقباها، فبكركي من الآن وصاعداً ستقول عن الأبيض أبيض وعن الأسوَد أسود، ولن تهادن أيَّ معطّلٍ للانتخابات الرئاسية، سواءٌ أكان مارونياً أو إلى أيّ طائفة انتمى».
وأبدت مصادر بكركي مخاوفَها من «استغلال الفراغ للقيام بعمل أمنيّ يفرض ميزان قوى جديداً على الساحة اللبنانية، فالراعي يتذكّر جيّداً أنّه في العام 1988 بعدما حصل الفراغ وقعَت حربان، وعام 2007 وقعَت حرب «7 أيار» وذهبنا إلى الدوحة، ومن يضمن أن لا تقدِم الجهة التي حرّكت النقابات في 5 أيّار 2007 على تحريك الشارع، مستغلةً حركة التنسيق النقابية، ففي تلك المرحلة كرّسوا الثلث المعطّل، أمّا الآن فماذا يريدون من حصّة الموارنة؟».
وأكّدت المصادر أخيراً أنّ «بكركي ترفض التشريع في غياب رئيس الجمهورية، وأيّ عمل من هذا النوع بعد 25 أيّار غير ميثاقي، والتحجُّج بالأمر الطارئ هو في غير مكانه، لأنّه لا يوجد طارئ أكثر من انتخاب رئيس».
وعُلم أنّ بكركي تتّجه بعد انسداد الأفق الرئاسي إلى طرح مبادرة تدعو إلى انتخاب رئيس يتوافق عليه الجميع. كذلك تتّجه إلى استنفار الشارع المسيحي بغية وضع الجميع أمام مسؤوليّاتهم.